الذي صدر من مشركي مكة لرسوله صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به من إبطال الشرك وإثبات توحيد اللّه في الألوهية والربوبية ، ومنها حق التشريع والتحليل والتحريم
كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
لرسلهم تكذيبا غير مبني على أساس من العلم .
والرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم قد أقاموا الحجج والبراهين العلمية والعقلية على التوحيد وغيره مما ادعوا ، وأيدهم اللّه تعالى بباهر الآيات ، ولكن المكذبين لم ينظروا نظرة إنصاف ، بل أعرضوا عنها وأصروا على جحودهم وعنادهم
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
وعذابنا ، وأهلكناهم بذنوبهم وصاروا كأمس الدابر .
ولو كانت مشيئة اللّه تعالى لما كانوا عليه من الشرك تتضمن رضاه عن فاعلها ، وأمره بها . . لما عاقبهم عليها تصديقا لما قال الرسل ، كذلك لو كانت أعمالهم بالجبر المخرج لها عن كونها من أعمالهم . . لما استحقوا العقاب عليها ، ولما قال : إنه أخذهم بذنوبهم وأهلكهم بظلمهم وكفرهم ، ونحو ذلك مما جاء في كثير من الآيات .
فقوله :
حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا
برهان دال على صدق الرسل في دعواهم ، وبطلان شبهات المشركين المكذبين لهم ، وبعد أن ذكرهم بالبرهان الواضح أمر رسوله أن يطالبهم بدليل يثبت ما يزعمون ، فقال :
هَلْ عِنْدَكُمْ
بما تقولون
مِنْ عِلْمٍ
تعتمدون عليه وتحتجون به
فَتُخْرِجُوهُ
؛ أي : فتخرجوا ذلك العلم وتظهروه
لَنا
لنفهمه ، ونوازن بينه وبين ما جئناكم به من الآيات العقلية ، والوقائع المحكية عن الأمم قبلكم ، ونتبين منها الراجح والمرجوح ، وفي هذا الاستفهام من التعجيز والتوبيخ والتهكم ما لا يخفى ، وهو بمعنى الإنكار ؛ أي :
ليس عندكم من علم تحتجون به فتظهرونه لنا ما تتبعون في دعاواكم إلا الظن الكاذب الفاسد ، وما أنتم إلا تكذبون .
وقرأ النخعي وابن وثاب : إن يتبعون - بالياء - قال ابن عطية : وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله :
وَإِنْ أَنْتُمْ
؛ لأنه يكون من باب الالتفات . ذكره أبو حيان في « البحر » .
ثم أردف ذلك ببيان حقيقة حالهم ، فقال :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
؛ أي :