تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو أسلاف بني إسرائيل وقدماؤهم ، أقوال ثلاثة : والأقرب الأول ؛ لأن من مات من أسلافهم لا يقال له :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
إلا على ضرب بعيد من التأويل ؛ ولأن من آمن منهم لا يقال له :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ
إلا بمجاز بعيد . ويحتمل قوله :
اذْكُرُوا
الذكر باللسان ، والذكر بالجنان ، فعلى الأول يكون المعنى : أمرّوا النّعم على ألسنتكم ولا تغفلوا عنها ، فإن إمرارها على اللسان ومدارستها سبب في أن لا تنسى . وعلى الثاني يكون المعنى تنبّهوا للنعم ولا تغفلوا عن شكرها وفي النعمة « 1 » المأمور بشكرها ، أو بحفظها أقوال : ما استودعوا من التوراة التي فيها صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو ما أنعم به على أسلافهم من إنجائهم من آل فرعون ، وإهلاك عدوّهم ، وإيتائهم التوراة ، ونحو ذلك قاله الحسن ، والزجاج ، أو إدراكهم مدّة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو علم التوراة ، أو جميع النعم على جميع خلقه ، وعلى سلفهم وخلفهم في جميع الأوقات على تصاريف الأحوال . وأظهر هذه الأقوال : أنها ما اختصّ به بنو إسرائيل من النعم لظاهر قوله :
الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
ونعم اللّه على بني إسرائيل كثيرة ، استنقذهم من بلاء فرعون وقومه ، وجعلهم أنبياء وملوكا ، وأنزل عليهم الكتب المعظّمة ، وظلّل عليهم في التيه الغمام ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى . قال ابن عباس ( أعطاهم عمودا من النّور ليضيء لهم باللّيل ) وكانت رؤوسهم لا تتشعّث ، وثيابهم لا تبلى ، وإنما ذكّروا بهذه النعم ؛ لأن في جملتها ما شهد بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو التوراة ، والإنجيل ، والزبور . وليحذروا مخالفة ما دعوا إليه ، من الإيمان برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبالقرآن ، ولأنّ تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الخالفة ، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة ، وهذه النعم وإن كانت على آبائهم فهي أيضا نعم عليهم ؛ لأن هذه النعم حصل بها النسل ؛ ولأنّ الانتساب إلى آباء شرّفوا بنعم ، تعظيم في حق الأولاد . قال بعض العارفين : عبيد النعم كثيرون ، وعبيد المنعم قليلون ، فاللّه تعالى ذكّر بني إسرائيل نعمه عليهم ، ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ذكر
هامش
( 1 ) البحر المحيط .