تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
بالبعوضة عبرة لأهل الدنيا ، فإنّ البعوضة تحيا ما جاعت ، وتموت إذا شبعت ، فكذا صاحب الدنيا ، إذا استغنى طغا ، وأحاط به الردى . وقال الإمام أبو منصور : الأعجوبة في الدلالة على وحدانية اللّه تعالى ، في الخلق الصغير الجثّة والجسم ، أكثر منها في الكبار العظام ؛ لأنّ الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب ، وتركيب ما يحتاج من الفم ، والأنف ، والعين ، والرجل ، واليد ، والمدخل ، والمخرج ما قدروا عليه ، ولعلّهم يقدرون على تصوير العظام من الأجسام الكبار منها ، فالبعوضة أعطيت على قدر حجمها الحقير ، كلّ آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القويّ . قال بعضهم : « 1 » إنّ اللّه تعالى قوّى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الأجناس ، وعرّف الخلق قدرته في خلق الضعفاء على هيئات الأقوياء ، فإنّ البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره ، وفي البعوض زيادة جناحين ، فلا يستبعد من كرمه ، أن يعطي على قليل العمل ما يعطي على كثير العمل من الخلق ، كما أعطى صغير الجثة ما أعطى كبير الجثة من الخلقة ، ومن العجب أنّ هذا الصغير يؤذي هذا الكبير ، فلا يمتنع منه . ومن لطف اللّه تعالى : أنّه خلق الأسد بغاية القوة ، والبعوض والذباب بغاية الضعف ، ثمّ أعطى البعوض والذباب جراءة أظهرها في طيرانهما في وجوه الناس ، وتماديهما في ذلك مع مبالغة الناس في ذبّهما بالمذبّة ، وركّب الجبن في الأسد ، وأظهر ذلك بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم ، ولو تجاسر الأسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس . فمنّ اللّه تعالى ، وجعل في الضعيف التجاسر ، وفي القوي الجبن ، ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف ، وقدرتك على ذلك الكبير . وتقدّم لك أنّ المراد بالبعوض هنا : الناموس ، وهو من عجيب خلق اللّه تعالى ، فإنّه في غاية الصغر ، وله ستّة أرجل ، وأربعة أجنحة ، وذنب ، وخرطوم
هامش
( 1 ) روح البيان .