المنكرات ، وتحريم بعض الطيبات فقها واستنباطا من التوراة ، والكل متفقون على أنّه لا خالق إلّا اللّه ولا رازق إلّا هو .
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي : وإنّكم لتعلمون بطلان ذلك ، وإنّكم إذا سئلتم من رزقكم من السماوات والأرض ؟ ومن يدبّر الأمر ؟ تقولون : اللّه ، فلم إذا تدعون غيره وتستشفعون به ؟ . ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضرّ ولا تنفع ؟ ومن أين جاءكم أنّ التقرب إلى اللّه يكون بغير ما شرعه اللّه حتى قلتم :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
.
وقرأ زيد بن عليّ ، ومحمد بن السميفع « 1 » : ندا على التوحيد ، وهو مفرد في سياق النهي ، فالمراد به : العموم ، إذ ليس المعنى : فلا تجعلوا للّه ندّا واحدا ، بل أندادا .
ولمّا احتجّ سبحانه وتعالى ، عليهم في إثبات توحيد الألوهية والربوبيّة بما تقدم ، احتجّ عليهم في إثبات نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بما قطع عذرهم ، فقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ
أيّها الناس
فِي رَيْبٍ
وشكّ
مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
أي : في كون القرآن المعجز الذي نزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحيا منزّلا من عند اللّه تعالى ، أو مفترى من عند نفسه . والتنزيل « 2 » : هو النزول على سبيل التدريج ، وأنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا إلى بيت العزّة ، ثمّ منه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مفرّقا منجما في ثلاث وعشرين سنة ؛ ليحفظ ، فإنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب ، ففرّق عليه ؛ ليثبت عنده حفظه ، بخلاف غيره من الأنبياء ، فإنّه كان كاتبا قارئا ، فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب ، ولذا قالوا : إنّ سائر الكتب الإلهية أنزلت جملة .
وفي إضافة العبد إليه تعالى : تنبيه على عظم قدره صلّى اللّه عليه وسلّم واختصاصه بخالص العبودية ورفع محلّه . وإضافته إلى نفسه تعالى واسم العبد عامّ وخاصّ ، وما هنا من الخاص ، كقوله :
لا تدعني إلّا بيا عبدها * لأنّه أشرف أسمائي
هامش
( 1 ) البحر المحيط .
( 2 ) روح البيان .