و
ما
نافية « 1 » بمعنى ليس ، ولهذا عقّب بالباء ؛ أي : ليسوا بمصدّقين ؛ لأنّهم يضمرون خلاف ما يظهرون بل هم منافقون . وفي الحكم عليهم بأنّهم ليسوا بمؤمنين ، نفي ما ادّعوه على سبيل البت والقطع ؛ لأنّه نفي أصل الإيمان منهم بإدخال الباء في خبر
ما
، ولذا لم يقل : وما هم من المؤمنين ، فإنّ الأول أبلغ من الثاني .
دلّت الآية : على أنّ الدعوى مردودة ، إذا لم يقم عليها دلائل الصحة . قال بعضهم : من تحلّى بغير ما فيه فضح الامتحان ما يدّعيه ، فإنّ من مدح نفسه ذمّ ، ومن ذمّ نفسه مدح ، قال فرعون عليه لعنة اللّه :
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فقيل فيه :
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
، وقال يونس - عليه السلام - :
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
فقيل له :
فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
.
وقوله :
يُخادِعُونَ اللَّهَ
جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر ، كأنّه قيل : ما لهم يقولون ذلك وهم غير مؤمنين ؟ فقيل : يخادعون اللّه الخ . أي :
يخدعون اللّه سبحانه وتعالى ، وإنما أخرج على زنة فاعل ؛ للمبالغة ، فليست المفاعلة على بابها ، وخداعهم مع اللّه ليس على ظاهره ؛ لأنّه لا تخفى عليه خافية ؛ ولأنّهم لم يقصدوا خديعته بل المراد إما مخادعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيكون الكلام على حذف مضاف ، كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
؛ أي : يخادعون رسول اللّه ويغرّونه بما أظهروا من الإسلام ، أو على أنّ معاملة الرسول معاملة اللّه ، من حيث إنه خليفته في أرضه ، والناطق عنه بأوامره ونواهيه مع عباده . ففيه رفع درجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث جعل خداعه خداعه .
والخدع على ما ذكرنا من جانب المنافقين للّه وللمؤمنين ، والتعبير بصيغة المخادعة ؛ للدلالة على المبالغة في حصول الفعل ، وهو الخدع ، أو للدلالة على حصوله مرّة بعد أخرى ، كما يقال : مارست الشيء وزاولته ، إذ هم كانوا مداومين على الخدع ، إذ أعمالهم الظاهرة لا تصدّقها بواطنهم ، وهذا لا يكون إلّا من
هامش
( 1 ) روح البيان .