لمّا ذكر سبحانه خاصّة عباده ، وخالصة أوليائه بصفاتهم التي أهّلتهم للهدى والفلاح ، أعقبهم بأضدادهم العتاة المردة الذين لا ينفع فيهم الهدى ، ولا يغني عنهم الآيات والنذر . وتعريف الموصول : إمّا للعهد ، والمراد به : ناس بأعيانهم ، كأبي لهب ، وأبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، وأحبار اليهود ، أو للجنس متناولا كلّ من صمّم على كفره تصميما لا يرعوي بعده وغيرهم ، فخصّ منهم غير المصرّين بما أسند إليه .
والكفر لغة : الستر والتغطية ، ومنه سمي الليل كافرا ، لأنّه يستر الأشياء بظلمته . قال الشاعر :
في ليلة كفر النجوم غمامها
أي : سترها . وشرعا : إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم به .
واعلم : أنّ الكفر على أربعة أضرب « 1 » :
كفر إنكار : وهو أن لا يعرف اللّه سبحانه أصلا ، ككفر فرعون ، حيث قال :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
.
وكفر جحود : وهو أن يعرف اللّه بقلبه ، ولا يقرّ بلسانه ، ككفر إبليس اللعين .
وكفر عناد : وهو أن يعرف اللّه بقلبه ، ويقرّ بلسانه ، ولا يدين به ، ككفر أمية ابن أبي الصلت ، وأبي طالب ، حيث قال في شعر له :
ولقد علمت بأنّ دين محمد * من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبّة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وكفر نفاق : وهو أن يقرّ بلسانه ، ولا يعتقد صحة ذلك بقلبه ، فجميع هذه الأنواع كفر .
هامش
( 1 ) الخازن .