إلى الأول الشافعي وغيره « 1 » .
وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة .
وإلى الثالث بعض أهل العلم - على تفصيل لهم في ذلك . فقالوا : إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه وإلا فلا . والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية .
وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح : « ومن رغب عن سنتي فليس مني » « 2 » ، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه .
والمراد بالأيامى هنا : الأحرار والحرائر ، وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله :
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ
: والصلاح : هو الإيمان . وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك .
وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه ، وإنما يزوجه مالكه .
وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح .
وقال مالك : لا يجوز . ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال :
إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
: أي لا يمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل أو المرأة أو أحدهما ؛ فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه سبحانه ويتفضل عليهم بذلك .
قال الزجاج : حث اللّه على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن هذا يكون حاصلا لكل فقير إذا تزوج ، فإن ذلك مقيد بالمشيئة . وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا .
وقيل : المعنى أنه يغنيه بغنى النفس .
وقيل : المعنى إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم اللّه من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا . والوجه الأول أولى .
هامش
( 1 ) حديث صحيح : رواه البخاري ( 9 / 104 ) ، ومسلم ( 9 / 175 ، 176 ) عن أنس مرفوعا .
( 2 ) انظر : البحر المحيط ( 6 / 451 ) ، والطبري ( 18 / 127 ) ، والقرطبي ( 12 / 245 ) ، وابن الجوزي ( 6 / 37 ) .