تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
هذا القرآن حتى تحفظه
إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
أن ينسى النبي شيئا من القرآن ، وهذا الاستثناء بيان أنه تعالى لو أراد أن يصير النبي ناسيا لذلك لقدر عليه ، وبالجملة ففائدة هذا الاستثناء أن اللّه تعالى يعرفه قدرة اللّه حتى يعلم أن عدم النسيان من فضل اللّه لا من قوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال الزجاج : أي إلا ما شاء اللّه أن ينسى فإنه ينسى ثم يتذكر بعد ذلك فلا ينسى ، نسيانا كليا دائما ، وقال مقاتل : إلا ما شاء اللّه أن ينسيه فيكون المعنى إلا ما شاء اللّه أن تنساه على الأوقات كلها ، فيأمرك أن لا تقرأه ولا تصلي به فيصير ذلك سببا لنسيانه وزواله من الصدور .
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
( 7 ) أي أنه تعالى عالم بجهرك في القراءة مع قراءة جبريل عليه السلام ، وعالم بالسر الذي في قلبك وهو أنك تخاف النسيان فلا تخف فأنا أكفيك ما تخافه ،
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
( 8 ) أي نوفقك للطريقة اليسرى في كل أبواب من باب الدين علما وتعليما واهتداء وهداية ،
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
( 9 ) أي عظ يا أشرف الرسل الناس بالقرآن واهدهم إلى ما فيه من الأحكام الشرعية كما كنت تفعله إن نفعت الموعظة ، فالتذكير العام واجب في أول الأمر ، فأما التكرير فإنما يجب عند رجاء حصول المقصود ، فلهذا المعنى قيد التذكير بهذا الشرط وقيل « إن » بمعنى إذ كقوله تعالى :
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
، [ آل عمران : 139 ]
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
( 10 ) وهو من قطع بصحة المعاد ، ومن جوز وجوده بخلاف من أصر على إنكاره وقطع بأنه لا يكون . قيل : نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان ، وقيل : نزلت في ابن أم مكتوم ،
وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى
( 11 ) أي ويتباعد عن الموعظة بالقرآن الأشقى ، وهو المعاند الذي لا يلتفت إلى الدعوة ولا يصغي إليها فالفرق ثلاثة : العارف بصحة المعاد ، والمتوقف فيه ، والمعاند . فالعارف هو السعيد ، والمتوقف له بعض الشقاء ، والمعاند هو الأشقى ، قيل : نزلت هذه الآية في الوليد ، وعتبة ، وأبي
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
( 12 ) أي الذي يدخل الطبقة السفلى من طبقات النار ،
ثُمَّ
بعد دخوله النار
لا يَمُوتُ فِيها
حتى يستريح
وَلا يَحْيى
( 13 ) حياة تنفعه
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
( 14 ) أي تطهر من دنس الشرك ، كما قال ابن عباس أي من قال : لا إله إلا اللّه ، وقال الزجاج : أي من تكثر من التقوى ،
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ
بقلبه ولسانه
فَصَلَّى
( 15 ) فمراتب أعمال المكلف ثلاثة : إزالة العقائد الفاسدة عن القلب ، واستحضار معرفة اللّه تعالى بذاته وصفاته وأسمائه ، والاشتغال بخدمته ، وقال بعضهم أي قد فاز من تصدق بصدقة الفطر قبل خروجه إلى المصلى ، وكبر اللّه تعالى ، ثم صلى صلاة العيد مع الإيمان فأثنى اللّه على من فعل ذلك ، وإن لم يكن في مكة عيد ولا زكاة فطر لأن ذلك في علم اللّه سيكون ،
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا
( 16 ) أي أنتم يا كفار مكة لا تفعلون ذلك ، بل أنتم ترضون اللذات الفانية وتطمئنون بها وتعرضون عن الآخرة بالكلية ، أو أنتم أيها المسلمون لا تكثرون من التقوى ، بل تستكثرون من الدنيا الدنية على الاستكثار من الثواب ، وقرأ أبو عمرو « يؤثرون » بالياء أي الأشقون ،
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 17 ) أي والحال أن الآخرة خير في نفسها وأدوم لأنها مشتملة على السعادة الجسمانية والروحانية ولذاتها خالصة عن الغائلة
إِنَّ هذا
أي قوله تعالى :
قَدْ أَفْلَحَ
،
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى
( 18 ) أي لثابت معناه فيها
صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
( 19 ) .
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 624 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي