تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين . والباقون بكسرها ،
وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ
( 42 ) فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت ، كما في أنواع فاكهة الدنيا ، فيقول اللّه تعالى لهم :
كُلُوا
من الثمار
وَاشْرَبُوا
من الأنهار
هَنِيئاً
أي سائغا بلا داء ولا تعب
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 43 ) في الدنيا من الخيرات ذكر اللّه تعالى ثلاثة أنواع من النعم في مقابلة ثلاث شعب من النار ، كأنه قيل : ظلال المكذبين ما كانت ظليلة ، وما كانت مغنية عن اللهب والعطش ، أما المتقون فظلالهم ظليلة حاجزة بينهم وبين اللهب ، ومغنية لهم عن العطش ومعهم الفواكه التي يتمنونها في مقابلة شرار النار التي يخافها المكذبون ، ولما قال تعالى للكفار :
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
قال المؤمنين :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً
.
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 44 ) أي إنا نجزي المحسنين في العقيدة مثل ذلك الجزاء
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 45 ) يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين ،
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا
أي كلوا يا معشر المكذبين وعيشوا يسيرا في الدنيا ،
إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
( 46 ) أي مشركون ، مصيركم النار في الآخرة . وقال أبو السعود : وهذا مقدر بقول هو حال من المكذبين ، أي الويل ثابت لهم مقولا لهم ذلك تذكيرا لهم بحالهم في الدنيا ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع الفاني عن قريب على النعيم الخالد ، وعلّل ذلك بإجرامهم دلالة على أن كل مجرم مآله هذا ،
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 47 ) بما يجب تصديقه . وهذا هو النوع التاسع من أنواع تخويف الكفار ،
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ
( 48 ) ، أي وإذا قيل للمجرمين في الدنيا : اخضعوا للّه بالتوحيدة ، وأطيعوا ، لا يقبلون ذلك . ويقال : نزلت هذه الآية في ثقيف حيث قالوا : لا نحني ظهورنا بالركوع والسجود . ويقال : هذا في الآخرة وذلك لما يقول الكفار : واللّه ربنا ما كنا مشركين . قال اللّه تعالى لهم : اسجدوا إن كنتم صادقين فيما تقولون ، فلم يقدروا على السجود وبقيت أصلابهم كالصياصي .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
( 49 ) بمن يرشدهم إلى المصالح الجامعة بين خيرات الدنيا والآخرة ، وهذا هو النوع العاشر من أنواع تخويف الكفار ،
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( 50 ) أي إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل اللطيفة مع وضوحها ، فبأي كلام بعدها يؤمنون ، لأن القرآن مصدّق للكتب القديمة ، موافق لها في أصول الدين ، فيلزم من تكذيبه تكذيب غيره من الكتب ، لأن ما في غيره موجود فيه ، فلا يمكن الإيمان بغيره مع تكذيبه .