تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
وقال الرازي : والظاهر أن المعنى ارتفع محمد بالمكان وهو بالمكان الأعلى رتبة في رفعة القدر ، لا حقيقة في الحصول في المكان ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغ الغاية وصار نبيا وهو واصل إلى الأفق الأعلى الفارق بين المنزلتين ،
ثُمَّ دَنا
أي بعد ما مدّ جبريل جناحه وهو بالأفق الأعلى عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها ، وقرب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
فَتَدَلَّى
( 8 ) أي فنزل من الأفق الأعلى إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه حتى أفاق وسكن روعه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويقال : دنا جبريل من النبي فبقي متدليا من الهواء واقفا بين السماء والأرض ، فإن التدلي هو التعلق من الهواء ،
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
( 9 ) أي فكان مقدار جبريل والنبي مقدار قوسين ، بل أقرب من ذلك بنصف قوس ،
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
( 10 ) ، أي فأوحى اللّه إلى جبريل ما أوحى جبريل إلى كل رسول ، فإن جبريل أمين لم يخن في شيء مما أوحي إليه .
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( 11 ) أي صدق فؤاد محمد فيما رأى شيئا من صورة جبريل ، ومن اللّه تعالى ليلة المعراج ، ومن الآيات العجيبة الإلهية أي إن قلبه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقل إن المرئي خيال لا حقيقة له ، ولم يقل : إنه جني أو شيطان ، ويحتمل أن يقال : لم يكذب جنس الفؤاد ما رأى صلّى اللّه عليه وسلّم ببصره بأن يقول كيف يرى اللّه وهو ليس في مكان ولا جهة ، وليس على هيئة ، أو كيف يرى جبريل مع أنه ألطف من الهواء ، والهواء لا يرى ، فرؤية اللّه تعالى رؤية جبريل على ما رآه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم جائزة عند من له قلب ، فالفؤاد لا ينكر ذلك وإن كانت النفس المتوهمة تنكره . وقرأ هشام « ما كذب » بالتشديد ، أي إن ما رآه محمد بعينه صدقه بقلبه ، أي ما قال فؤاده لما رآه بصره لم أعرفك ، و « ما » مفعول به موصولة ، والعائد محذوف ، وكذا قيل في قراءة التخفيف . وقيل فيه على إسقاط الخافض أي فيما رآه
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى
( 12 ) أي أفتجادلونه يا معشر المشركين على ما قد رأى وقرأ الأخوان « أفتمرونه » بفتح التاء وسكون الميم ، أي أفتنكرونه . وقرأ عبد اللّه بن مسعود والشعبي بضم التاء وسكون الميم أي أفتجدونه شاكا فيما رأى ،
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
( 14 ) أي وباللّه لقد رأى محمد جبريل على صورته الحقيقة مرة أخرى عند شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ، وهو موضع لا يتعداه ملك ولا روح من الأرواح . قال مقاتل : وهي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان ، لو وضعت ورقة منها في الأرض لأضاءت لأهلها ، وهي شجرة طوبى
عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى
( 15 ) أي الجنة التي يأوي إليها المتقون وأرواح الشهداء
إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
( 16 ) ، و « إذ » ظرف ل « رآه » ، أي ولقد رآه عند السدرة وقت علاها ما علاها من فراش من ذهب ، أو من ملائكة يأتونها كأنها طيور ، أو من أنوار اللّه تعالى ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما وصل إليها تجلى ربه لها ، وظهرت الأنوار ،
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) أي ما التفت محمد إلى الجراد ولا إلى غيره ، وما جاوز إلى ما سوى اللّه تعالى ، أو ما