تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
قولا مقرونا باليقين التام والمعرفة الحقيقية ،
ثُمَّ اسْتَقامُوا
أي ثبتوا على الأعمال الصالحة ،
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
عند الموت في القبر وعند البعث بالبشرى :
أَلَّا تَخافُوا
و « أن » مفسرة ، أو مخففة من الثقيلة ، و « لا » ناهية ، أي بأنه لا تخافوا على ما أمامكم ، أو مصدرية و « لا » إما ناهية ، أو نافية . وقرئ « لا تخافوا » على أنه حال من الملائكة ، أي يقولون : لا تخافوا
وَلا تَحْزَنُوا
على ما تركتم من خلفكم ، فاللّه تعالى أخبر أن الملائكة يخبرون في أول الأمر بأنه لا خوف عليكم بسبب ما تستقبلونه من أحوال القيامة ، ثم يخبرون بأنه لا حزن عليكم بسبب ما فاتكم من أحوال الدنيا فإن المستقبل في كل ساعة يصير أقرب حصولا والماضي في كل حالة أبعد حصولا ، ولهذا قال الشاعر :
فلا زال ما نهواه أقرب من غد * ولا زال ما نخشاه أبعد من أمس
وعند حصول هذين الأمرين فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية ، ثم بعد الفراغ من ذلك الإخبار ، يبشرون بحصول المنافع ، لأن دفع المضرة أولى بالرعاية من جلب المصلحة . وذلك قوله تعالى :
وَأَبْشِرُوا
أي املئوا صدوركم سرورا ،
بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
( 30 ) في الدنيا على ألسنة الرسل ،
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
أي نحن أقرباء الأقرباء إليكم فنوقظكم من المنام ، ونحملكم على الصلاة والصيام ، ونبعدكم عن الآثام في الحياة الدنيا ، وندفع عنكم المضرات ، ونجلب لكم المسرات في الآخرة بالشفاعة حيث يتعادى الكفرة وقرناؤهم ،
وَلَكُمْ فِيها
أي الآخرة
ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
من اللذائذ ، لأنكم منعتموها في الدنيا من الشهوات ،
وَلَكُمْ فِيها
أي الآخرة
ما تَدَّعُونَ
( 31 ) أي تطلبون ،
نُزُلًا
حال من « ما تدعون » ، أي حال كون هذا رزقا مهيأ كما يهيأ للضيف مستقرا لكم
مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 ) . قال العارفون : هذه الآية تدل على أن هذه الأشياء جارية مجرى المهيأ للضيف ، والكريم جل وعلا إذا أعطى النزل فلا بد وأن يبعث الخلع النفيسة بعدها ، وتلك الخلع ليست إلا السعادات الحاصلة عند رؤيته تعالى ،
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
أي لا أحد أحسن من جهة القول ممن دعا إلى الطاعة اللّه
وَعَمِلَ صالِحاً
، أي والحال أنه قد عمل صالحا في نفسه ، وللدعوة إلى اللّه مراتب : الأولى : دعوة الأنبياء بالمعجزات وبالحجج وبالسيف . والثانية : دعوة العلماء إلى اللّه تعالى بالبراهين ، فهم نواب الأنبياء في العلم ، أما الملوك فهم نواب الأنبياء في القدرة . الثالثة : دعوة المجاهدين إلى اللّه تعالى بالسيف . الرابعة : دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم دعاة إلى طاعة اللّه تعالى .
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
( 33 ) أي ابتهاجا بأنه منهم فيكون هذا الرجل موصوفا بخصال أربعة :
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 364 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي