تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
تعالى كافيك في نصرة دينك ، وإظهاره على الدين كله ،
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 55 ) ، أي ودم على التسبيح ملتبسا بحمده تعالى . والمراد منه الأمر بالمواظبة على ذكر اللّه باللسان ، وبأن لا يغفل القلب عنه ،
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ
، وجملة « إن في صدورهم » إلخ خبر ل « إن » ، وجملة « ما هم » إلخ صفة ل « كبر » ، أي إن الذين يجحدون بآيات اللّه بغير برهان أتاهم في ذلك من اللّه تعالى ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق ما هم ببالغي كبره ، أي الذين يناصبون الجدال معك بغير حجة إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدورهم ، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا بنبوّتك لزمهم أن يكونوا تحت تصرفك ، لأن النبوة تحتها كل رئاسة وملك ، وهم لا يرضون أن يكونوا في خدمتك وإنما هم يريدون أن تكون تحت يدهم ولا يصلون إلى هذا المراد ، بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ،
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
أي فالتجئ إليه تعالى من كيد من يجادلك ،
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
لأقوالهم
الْبَصِيرُ
( 56 ) بأعمالهم ،
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
، أي فالذي قدر على ابتداء خلق السماوات والأرض مع عظمها ، قادر على إعادة الإنسان الذي خلقه أولا ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 57 ) أي أن هذا البرهان مع قوته صار بحيث لا يعرفه من ينكرون الحشر والنشر ، فظهر أن هؤلاء يجادلون في آيات اللّه بغير حجة ، بل بمجرد الحسد والكبر ،
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
أي لا يستوي الجاهل المقلد المستدل ،
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ
أي ولا يستوي الآتي بالأعمال الصالحة ، والآتي بالأعمال الفاسدة .
قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ
( 58 ) أي أن المجادلين وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنهم ما يتعظون اتعاظا قليلا من أمثال القرآن ، فإن الحسد يعمي قلوبهم فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة ، وفي الحسد والكبر أنه محض الطاعة . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي « تتذكرون » على الخطاب . والباقون بالغيبة .
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها
أي لا شك في مجيئها بإجماع الرسل على الوعد بوقوعها .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
وهم الذين ينكرون البعث ،
لا يُؤْمِنُونَ
( 59 ) بمجيء الساعة ،
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
أي اعبدوني أثبكم وأغفر لكم ،
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
( 60 ) أي أذلاء . ويقال : إن الدعاء هو السؤال ، أي ادعوني أقبل إليكم ، فالدعاء اعتراف بالعبودية والذلة فكأنه قيل : إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية ، وكل من دعا اللّه وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه ، واجتهاده وأقاربه وأصدقائه ، فهو في الحقيقة ما دعا اللّه إلا باللسان ، أما قلبه فهو معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير اللّه ، فهذا ما دعا اللّه في