الخير ، يحيي ويميت ، وهو على كل شيء قدير »
« 1 » . والمعنى أن للّه هذه الكلمات يوحد بها ويمجد بيده وهي مفاتيح خير السماوات والأرض ، من تكلم بها من المتقين أصابه . وقال قتادة ومقاتل : له مفاتيح السماوات والأرض بالرزق والرحمة . وقال الكلبي : له خزائن المطر والنبات .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
أي الناطقة بكونه تعالى خالقا للأشياء كلها وكونه مالكا مقاليد السماوات والأرض بأسرها ،
أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 63 ) خسرانا لا خسار وراءه .
قُلْ
يا أشرف الخلق لأهل مكة - حيث قالوا له : أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك - :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
( 64 ) ؟ ! أي بعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده تعالى أعبد غيره تعالى بأمركم . و « غير اللّه » منصوب ب « أعبد » ، و « تأمروني » اعتراض . وقيل : « أن أعبد » معمول ل « تأمروني » على إضمار « أن » المصدرية ، فلما حذفت بطل عملها وجاز تقديم معمول صلة « أن » على الموصول ب « أن » المحذوفة ، والأصل : أتأمروني بأن أعبد غير اللّه ويؤيد هذا القول قراءة « أعبد » بالنصب . وقرأ نافع « تأمروني » بنون واحدة مخففة مع فتح الياء ، وهي نون الرفع كسرت للمناسبة . وابن كثير بنون مشددة وفتح الياء وابن عامر بنونين ساكنة الياء والباقون بنون واحدة مشددة وسكون الياء .
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ
من الرسل عليهم السلام :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 65 ) . وهذه قضية شرطية ، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها كقوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] ، ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا ،
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
. وهذا رد لما أمروه صلّى اللّه عليه وسلّم به من الإسلام ببعض آلهتهم كأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلّا غير اللّه ، وكأنه تعالى قال : فلا تعبد إلّا اللّه .
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
( 66 ) للّه على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلّا عبادة الإله القادر العليم الحكيم ، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى اللّه تعالى ،
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
أي وما عظموا اللّه حق تعظيمه ، أي تعظيما لائقا به تعالى بل أنزلوه عن قدره ومنزلته ، إذ زعموا أن له شركاء ، وأنه لا يقدر على إحياء الموتى . والحال أن الأرض جميعا مقدورته تعالى يوم القيامة والسماوات مطويات بقدرته تعالى ، أو ما عرفوا اللّه حق معرفته حيث وصفوه بما لا يليق بشئونه الجليلة ، حيث قالوا : يد اللّه مغلولة . وقالوا : إن اللّه فقير يطلب منا القرض إلخ ، ومقصود هذه الآية إشارة إلى أن المتولي لإبقاء السماوات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة ، وذلك يدل على قدرته التامة على الإيجاد والإعدام ، فإذا حاول تخريب الأرض يزيلها ، فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها ، وذلك يدل على كمال الاستغناء .
هامش
( 1 ) رواه السيوطي في الدر المنثور ( 5 : 346 ) .