تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
أي نبيا ملكا على بني إسرائيل نافذ الحكم عليهم ،
فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ
أي بالعدل ، لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقية الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات على أحسن الوجوه أما إذا كانت أحكام السلطان القاهر على وفق هواه ، ولطلب مصالح دنياه ، عظم ضرره على الخلق ، فإنه يجعل الرعية فداء لنفسه ، وذلك يفضي إلى تخريب العالم ، ووقوع الهرج والمرج في الخلق ، وذلك يفضي إلى هلاك الملك .
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى
أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا ،
فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي إن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل اللّه ، وهو يوجب سوء العذاب ، لأن الهوى يدعو إلى الاستغراق في اللذات الجسمانية ، وهو يمنع الاشتغال في طلب السعادات الروحانية ،
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي عن الإيمان باللّه ، وعن طاعة اللّه
لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
( 26 ) أي بنسيانهم يوم الحساب ، أي بتركهم الإيمان بذلك اليوم وتركهم العمل لذلك اليوم ،
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
أي عبثا جزافا بلا أمر ولا نهي . وهذه الآية تدل على كونه تعالى خالقا للأعمال ، لأنها حاصلة بين السماء والأرض ، فوجب أن يكون اللّه تعالى خالقا لها . وهذه الآية تدل أيضا على الحشر والنشر والقيامة . وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم ، فإما أن يقال : إنه تعالى خلقهم لا للانتفاع ولا للإضرار ، فهذا باطل ، لأن هذه الحالة حاصلة حين كانوا معدومين أو للإضرار ، فهذا باطل ، لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم ، أو للانتفاع وذلك إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة فإن كان الانتفاع في حياة الدنيا فهو باطل ، لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل المضار الكثيرة للمنفعة القليلة ، لا يليق بالحكمة ، فثبت القول بوجود حياة أخرى بعد الحياة الدنيوية ، وذلك هو القول بالحشر والقيامة فثبت بما ذكرنا أنه تعالى ما خلق السماء والأرض ، وما بينهما باطلا وإذا لم بكن خلقهما باطلا كان القول بالحشر والنشر ، لازما ، وكل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكا في حكمة اللّه تعالى في خلق السماء والأرض ، وهذا هو المراد من قوله تعالى :
ذلِكَ
أي خلق ما ذكر لا لأجل الأمر والنهي ، ولا لأجل الثواب والعقاب
ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بأمر البعث والجزاء
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
( 27 ) أي فشدة العذاب للذين كفروا بالبعث بعد الموت بسبب النار المترتبة على ظنهم أن لا بعث ولا حساب ، وذلك نفي لحكمة اللّه تعالى في خلق السماء والأرض وفي أمره تعالى ونهيه ،
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
أي بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض كما يقتضيه عدم البعث والجزاء لاستواء الفريقين في التمتع بالحياة الدنيا ، بل الكفرة أوفر حظا منها من المؤمنين لكن ذلك الجعل محال فتعين البعث والجزاء حتما لرفع الأولين إلى أعلى عليين ، ورد الآخرين إلى أسفل سافلين .
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( 28 ) أي بل أنجعل أتقياء المؤمنين كعلي بن أبي طالب ، وحمزة بن المطلب ، وعبيدة بن الحرث