تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
انزعاج العنكبوت ، فإنه إذا داوم في زاوية لا يخرج منها ، فإذا نسج على نفسه بيتا يتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه ، ويمسحه بالمسوح الخشنة المؤذية لجسم العنكبوت ، فكذلك العابد ينبغي أن يستحق الثواب بسبب العبادة أو لا يستحق العذاب به ، والكافر يستحق العذاب بسبب عبادته ، وأن بيت العنكبوت إذا هبت ريح لا يرى منه عين ولا أثر بل يصير هباء منثورا ، فكذلك أعمالهم للأوثان . وهذا إشارة إلى إبطال الشرك الخفي أيضا فإن من عبد اللّه رياء فقد اتخذ وليا غير اللّه فمثله مثل العنكبوت تتخذ نسجها بيتا فلا يقيها من حر ولا برد ،
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 41 ) شيئا من الأشياء لجزموا أن مثلهم كمثل العنكبوت وأن أضعف ما يعتمد به في الدين دينهم .
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
أي إن اللّه يعلم الذين يعبدونهم من غير اللّه من شيء : صنم ، أو إنسي ، أو جني ،
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 42 ) أي وهو قادر على إهلاكهم لكنه حكيم يمهلهم ليكون الهلاك عن بينة . وقرأ عاصم وأبو عمرو « يدعون » بالتحتية . والباقون بالفوقية .
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
أي نبينها لهم تقريبا لما بعد من أفهامهم ،
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( 43 ) أي وما يفهم صحتها وفائدتها إلا المتدبرون في الأشياء على ما ينبغي
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
أي متقنا مراعيا للمصالح
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي في خلقهما
لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
( 44 ) أي لدلالة للمؤمنين على شؤونه تعالى ، واختص المؤمنون بالذكر ، لأنهم المنتفعون بتلك الآية
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ
تقربا إلى اللّه تعالى بقراءته وتذكيرا للناس وحملا لهم على العمل بما فيه من الأحكام ، ومحاسن الآداب ، ومكارم الأخلاق .
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
أي دوام على إقامتها
إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
، أي تنهى عن التعطيل والإشراك ، فالتعطيل هو إنكار وجود اللّه والإشراك إثبات ألوهية لغير اللّه . فالعبد أول ما يشرع في الصلاة يقول : اللّه أكبر . فبقوله : اللّه ، ينفي التعطيل . وبقوله : أكبر ، ينفي التشريك . لأن الشرك لا يكون أكبر من الشريك الآخر فيما فيه الاشتراك فإذا قال :
بِسْمِ اللَّهِ
[ الفاتحة : 1 ] ، نفى التعطيل ، وإذا قال :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 1 ] ، لأن الحرمن من يعطي الوجود بالخلق ، والرحيم من يعطي البقاء بالرزق ، فإذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
[ الفاتحة : 2 ] أثبت خلاف التعطيل ، وإذا قال : رب العالمين أثبت خلاف الإشراك ، فإذا قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] نفى التعطيل والإشراك ، وكذا إذا قال :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] وإذا قال :
اهْدِنَا الصِّراطَ
[ الفاتحة : 6 ] نفى التعطيل لأن طالب الصراط له مقصد ، والمعطل لا مقصد له . وإذا قال :
الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 6 ] نفى التعطيل لأن طالب المستقيم هو الأقرب ، والمشرك يعبد الأصنام ، ويظنون أنهم يشفعون لهم وعبادة اللّه من غير واسطة أقرب وعلى هذا إلى آخر الصلاة ، فإذا قال فيها : أشهد أن لا إله إلا اللّه فقد نفى الإشراك ، والتعطيل . ومعنى نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أنها سبب للانتهاء عنهما ، لأنها مناجاة اللّه
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 218 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي