تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
النيل ، وكان لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها وكان بها برص شديد ، وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها ، فقالوا : أيها الملك لا تبرأ هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الإنسان ، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها ، فتبرأ من ذلك وذلك في يوم كذا في شهر كذا حين تشرق الشمس ، فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون إلى مجلس له كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم ، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل ، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج وتعلق بشجرة ، فقال فرعون : ائتوني به فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه ، فعالجوا فتح الباب ، فلم يقدروا عليه ، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه ، فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها ، فعالجته ، ففتحته ، فإذا هي بصبي صغير ، وإذا نور بين عينيه ، فألقى اللّه محبته في قلوب آسية وفرعون ، فأخرجوه من التابوت وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت في الحال ، فقبلته وضمته إلى صدرها ، فقالت الغواة من قوم فرعون : أيها الملك ، إنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر خوفا منك ، فهمّ فرعون بقتله ، فاستوهبته آسية من فرعون ، فوهبه لها ، فترك قتله ، وتبنته فقيل لآسية : سميه فقالت : سميته موشى بالشين المعجمة لأنا وجدناه في الماء والشجر فإن معنى مو ماء ومعنى شا شجر فأصل موسى بالمهملة موشى بالمعجمة وذلك قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
أي أخذت موسى جواري فرعون من بين الماء والشجر يوم الاثنين ، وذهبن به إلى امرأة فرعون
لِيَكُونَ
أي موسى
لَهُمْ عَدُوًّا
من بعد ما يجيء إليهم بالرسالة
وَحَزَناً
بذهاب ملكهم . وقرأ حمزة والكسائي بضم الحاء وسكون الزي . والباقون بفتحهما .
إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ
( 8 ) فيما كانوا عليه من الكفر والظلم ، فعاقبهم اللّه تعالى بأن ربي عدوهم ومن هو سبب هلاكهم على أيديهم . وقال الحسن : معنى « كانوا خاطئين » أي كانوا لا يشعرون أن موسى هو الذي يذهب بمكلهم .
وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ
وهي آسية - لفرعون حين أخرجته من التابوت وهمّ فرعون بقتله لقول الغواة :
قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ
أي هذا الغلام قرة عين لي ولك يا فرعون . قال ابن عباس : لما قالت آسية ذلك قال فرعون : يكون لك وأما أنا فلا حاجة لي فيه . قال ابن إسحاق : إن اللّه تعالى ألقى محبته عليه السلام في قلبه لأنه كان في وجهه ملاحة فكل من رآه أحبه ، ولأنها حين فتحت التابوت رأت النور ، ولأنها لما فتحته رأته يمتص إصبعه ، ولأن ابنة فرعون لما لطخت برصها بريقه زال .
لا تَقْتُلُوهُ
خاطبته بلفظ الجمع تعظيما لأجل أن يعاونها فيما تريده
عَسى أَنْ يَنْفَعَنا
فنصيب منه خيرا لو كان له أبوان معروفان
أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
، إذا لم يعرف له أبوان وكانت آسية لا تلد
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 9 ) . وهذا ابتداء كلام من اللّه تعالى أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم في يده وبسببه . وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل .
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — صفحة 189 | محمد أمين الضناوي / الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي