تشريفا لكونه أوقع في النفس ، وقيل : المعنى سأدلكم ، وهذا خطاب لجميع المؤمنين ، وقيل لأهل الكتاب
عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها ، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار ، قرأ الجمهور تنجيكم من الإنجاء ، وقرىء من التنجية ، وهما سبعيتان .
عن أبي هريرة قال : « قالوا لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى اللّه ؟ فنزلت هذه الآية فكرهوا فنزلت :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ] إلى قوله
بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
[ الصف : 4 ] أخرجه ابن مردويه ، قال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون قال : وددت يا نبي اللّه أعلم أي التجارات أحب إلى اللّه فأتجر فيها ؟
ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها فقال :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
أي تدومون على الإيمان لأن الخطاب مع المؤمنين ، وتؤمنون خبر بمعنى الأمر للإيذان بوجوب الامتثال ، فكأنه قد وقع ، فأخبر بوقوعه ، وقرأ ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر ، وقرىء تؤمنوا وتجاهدوا على إضمار لام الأمر ، قال الأخفش تؤمنون عطف بيان لتجارة ، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها .
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
قدم ذكر الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد ، أو لعزتها في ذلك الوقت ، أو لأنها قوام النفس ، وهذا بمنزلة الثمن الذي يدفعه المشتري
ذلِكُمْ
أي ما ذكر من الإيمان والجهاد
خَيْرٌ لَكُمْ
أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم ، أو من كل شيء
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أي إن كنتم ممن يعلم ، فإنكم تعلمون أنه خير لكم إلا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم لا تعلمون ذلك .
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
هذا بمنزلة المبيع الذي يأخذه المشتري من البائع في مقابلة الثمن المدفوع له ، وهذا جواب الأمر المدلول بلفظ الخبر ، ولهذا جزم . وقال الزجاج والمبرد :
تُؤْمِنُونَ
في معنى آمنوا ، ولذلك جاء
يَغْفِرْ لَكُمْ
مجزوما ، وقال الفراء ؛ هذا جواب الاستفهام فجعله مجزوما لكونه جوابه ، وقد غلطه بعض أهل العلم ، قال الزجاج : ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم ، إنما يغفر لهم ، إذا آمنوا وجاهدوا ، وقال الرازي في توجيه قول الفراء : إن
هَلْ أَدُلُّكُمْ
في معنى الأمر عنده ، يقال : هل أنت ساكت ؟ أي : اسكت ؟ وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقيل :
يَغْفِرْ لَكُمْ
مجزوم بشرط مقدر أي إن تؤمنوا يغفر لكم ، وقرىء بالإدغام في يغفر لكم ، والأولى تركه لأن الراء حرف متكرر فلا يحسن إدغامه في اللام .
وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
قد تقدم بيان كيفية جري الأنهار من تحت الجنات مرارا ، والمعنى :