ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل ، قال الزمخشري ويل أصله مصدر ساد مسد فعله لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات .
قلت : سوغ الابتداء به كونه دعاء لا ما ذكره الزمخشري ، ويجوز ويلا بالنصب ولكنه لم يقرأ به ، والويل الهلاك أو هو اسم واد في جهنم ، قال ابن مسعود يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين .
وكررت هذه الآية في هذه السورة عشر مرات لأنه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم ، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر ، ورب شيء كذب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره ، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب .
وقال الكرخي : التكرار في مقام الترغيب والترهيب مستحسن لا سيما إذا تغيرت الآيات السابقة على المرات المكررة كما هنا .
ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال :
أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ
أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم كقوم نوح وعاد وثمود ، قال مقاتل يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم ، والاستفهام إنكاري وهو داخل على نفي ، ونفي النفي إثبات ، ويعبر عنه بالاستفهام التقريري والمراد به طلب الإقرار بما بعد النفي .
ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ
يعني كفار مكة ومن وافقهم حين كذبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، قرأ الجمهور نتبعهم بالرفع على الاستئناف أي ثم نحن نتبعهم ، كذا قدره أبو البقاء ، وقال ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك ، وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد ، ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود ثم سنتبعهم الآخرين بسين التنفيس .
وقرىء بالجزم عطفا على نهلك ، قال شهاب الدين على جعل الفعل معطوفا على مجموع الجملة من قوله
أَ لَمْ نُهْلِكِ
، والمراد بالآخرين حينئذ قوم شعيب ولوط وموسى ، وبالأولين قوم نوح وعاد وثمود .
كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ
أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم ، يريد من يهلكه فيما بعد ، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة .
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب اللّه ورسله ، قيل والويل الأول لعذاب الآخرة وهذا لعذاب الدنيا ، والتكرير للتوكيد شائع في كلام العرب .