وعن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن لكل أمة رهبانية ، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللّه » « 1 » أخرجه أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الشعب ،
ثم أمر اللّه سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدمين ، بالتقوى والإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
بترك ما نهاكم عنه
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
أي نصيبين ضخمين بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل ، قال ابن عباس : أي أجرين بإيمانهم بعيسى عليه السّلام ، ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل وبإيمانهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتصديقهم ، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق ، وإن كان منسوخا ببركة الإسلام ، وقيل : الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأصل الكفل الحظ والنصيب ؛ وقد تقدم الكلام على تفسيره في سورة النساء .
قال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه : كفلين ضعفين ؛ وهي بلسان الحبشة ؛ وقال ابن عمر : الكفل ثلاثمائة جزء وخمسون جزءا من رحمة اللّه ، وعن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاثة لهم أجران ؛ رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق اللّه ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران » « 2 » أخرجه الشيخان .
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
يعني على الصراط كما قال :
نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
[ التحريم : 8 ] ، وقيل : النور هو القرآن ، وقيل : هو الهدى والبيان ، أي يجعل لكم سبيلا واضحا في الدين تهتدون به
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ما سلف من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي بليغ المغفرة والرحمة .
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
أي التوراة ، واللام متعلقة بما تقدم من الأمر بالإيمان والتقوى ، أي اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب ، ولا في لئلا زائدة قاله الفراء والأخفش وغيرهما
أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ
أي ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئا
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
الذي تفضل به على من آمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل اللّه به على المستحقين له ، ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله ، وهو مشروط بالإيمان به ، وقيل : الضمير للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه رضي اللّه تعالى عنهم ؛ ولا غير مزيدة ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 82 ، 266 ، بلفظ : « عليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام » .
( 2 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 12 ، والعلم باب 31 ، والأنبياء باب 48 ، ومسلم في الإيمان حديث 241 ، والترمذي في النكاح باب 25 ، والنسائي في النكاح باب 65 ، وابن ماجة في النكاح باب 42 ، والدارمي في النكاح باب 46 ، وأحمد في المسند 4 / 395 ، 402 ، 414 .