تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
ولما ذكر إرسال الرسل إجمالا أشار هنا إلى نوع تفصيل ، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم فقال :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ
كرر القسم للتوكيد ، ولإظهار مزيد الاعتناء بالأمر ، ونوح هو الأب الثاني لجميع البشر ، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا
أي نوح وإبراهيم
النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
أي الكتب الأربعة المنزلة على الأنبياء منهم ، وقيل : جعل بعضهم أنبياء وبعضهم يتلون الكتاب ، وقيل : الكتاب الخط بالقلم ، يقال كتب كتابة وكتابا .
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ
أي : فمن الذرية من اهتدى بهدى نوح وإبراهيم وقيل : المعنى فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى ، والأول أولى ، لتقدم ذكرهم لفظا وأما الثاني فلدلالة أرسلنا والمرسلين عليه
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ
أي : خارجون عن الطاعة وقيل : المراد بالفاسق هنا الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافرا أو لم يكن لاطلاق هذا الاسم وهو يشمل الكافر وغيره ، وقيل : المراد به هنا الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين .

[ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 27 إلى 29 ]

ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 27 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 )
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ
أي اتبعنا على آثار الذرية ، أو على آثار نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ، أو من عاصرهما من الرسل
بِرُسُلِنا
الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى وإلياس وداود وسليمان وغيرهم
وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم ، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه .
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ
وهو الكتاب الذي أنزله اللّه عليه وقد تقدم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران قرأ الجمهور إنجيل بكسر الهمزة وقرىء بفتحها
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
على دينه ، وهم الحواريون وأتباعهم
رَأْفَةً
أي مودة ، فكان يود بعضهم بعضا
وَرَحْمَةً
يتراحمون بها ، وقيل : هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس ، فألان اللّه قلوبهم لذلك ، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، وأصل الرأفة اللين ، والرحمة الشفقة ، وقيل : الرأفة أشد الرحمة .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 571 | صديق الحسيني القنوجي البخاري