والرؤساء إذا دخلوا النار ودخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة : هذا فوج يعنون الأتباع
مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ
أي داخل معكم إلى النار بشدة ، والاقتحام الإلقاء في الشيء بشدة فإنهم يضربون بمقامع من حديد حتى يقتحموها بأنفسهم خوفا من تلك المقامع ، وقيل : الاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها ، وفي المختار قحم في الأمر رمى بنفسه فيه من غير روية ، وبابه خضع ، وأقحم فرسه النهر فانقحم ، أي أدخله فدخل واقتحم الفرس النهر دخله .
وقوله
لا مَرْحَباً بِهِمْ
من قوله القادة والرؤساء لما قالت لهم الخزنة ذلك قالوا لا مرحبا بهم أي لا اتسعت منازلهم في النار ، والرحب السعة ، والمعنى لا كرامة لهم ، وهذا إخبار من اللّه سبحانه بانقطاع المودة بين الكفار ، وأن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة . وجملة لا مرحبا بهم دعائية لا محل لها من الإعراب ، وقال السمين في مرحبا وجهان أظهرهما أنه مفعول بفعل مقدر أي لا أتيتم مرحبا أو لا سمعتم مرحبا ، والثاني أنه منصوب على المصدر ، قال أبو البقاء أي لا رحبتكم داركم مرحبا . بل ضيقا ، والجملة المنفية إما مستأنفة سيقت للدعاء عليهم بضيق المكان ، وقوله : بهم بيان للمدعو عليهم ، وإما حالية ، وقد يعترض عليه بأنه دعاء ، والدعاء لا يقع حالا ، والجواب أنه على إضمار القول أي مقولا في حقهم لا مرحبا بهم ، وقيل إنها من تمام قوله الخزنة ، والأول أولى ، كما يدل عليه جواب الأتباع الآتي :
إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ
تعليل من جهة القائلين لا مرحبا بهم ، أي إنهم صالوا النار كما صليناها ومستحقون لها كما استحققناها .
قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ
مستأنفة جواب سؤال مقدر أي قال الأتباع عند سماع ما قاله الرؤساء لهم : بل أنتم أحق بما قلتم لنا ثم عللوا ذلك بقولهم :
أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا
أي العذاب أو الصلي لنا وأوقعتمونا فيه ، ودعوتمونا إليه بما كنتم تقولون لنا من أن الحق ما أنتم عليه ، وأن الأنبياء غير صادقين فيما جاءوا به .
فَبِئْسَ الْقَرارُ
أي بئس المقر جهنم لنا ولكم ،
ثم حكي عن الأتباع أيضا أنهم أردفوا هذا القول بقول آخر وهو :
قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا
أي من دعانا إليه وسوغه لنا ، قال الفراء المعنى من سوغ لنا هذا وسنه ، وقيل معناه من قدم لنا هذا العذاب بدعائه إيانا إلى الكفر .
فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ
أي عذابا بدعائه إيانا فصار ذلك ضعفا ، ومثله قوله سبحانه
رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ
[ الأعراف : 38 ] وقوله :
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ
[ الأحزاب : 68 ] ، والضعف أن يزيد عليه مثله ، وقيل المراد بالضعف هنا الحيات والعقارب ، قال ابن مسعود : أي أفاعي وحيات .