الْمُبِينِ
أي : المبين المظهر للحق من الباطل ، أو المبين الظاهر إعجازه إن كان من أبان اللازم بمعنى بأن وهذا المعنى أليق بالمقام : وأوفق للمرام ، ولذا اقتصر عليه صاحب الكشاف .
لَعَلَّكَ باخِعٌ
أي : قاتل ومهلك
نَفْسَكَ
لعل هنا للإشفاق أي : أشفق عليها بتخفيف هذا الغم ، والبخع في الأصل أن يبلغ بالذبح البخاع ، وهو عرق في القفا ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الكهف وقرىء
باخِعٌ نَفْسَكَ
بالإضافة ، والمعنى لعلك قاتل نفسك .
أَلَّا يَكُونُوا
أي أهل مكة
مُؤْمِنِينَ
أي : لعدم إيمانهم بما جئت به ، وفي هذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأنه كان حريصا على إيمان قومه شديد الأسف لما يراه من إعراضهم .
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً
مستأنفة مسوقة لتعليل ما سبق من التسلية ، والمعنى ننزل آية تلجئهم إلى الإيمان ولكن قد سبق القضاء بأنا لا ننزل ذلك ، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر .
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
أي أنهم صاروا منقادين لها أي فتظل أعناقهم ، قيل : وأصله فظلوا لها خاضعين ، فأقحمت ( الأعناق ) للتقرير والتصوير ، لأن الأعناق موضع الخضوع . وقيل : إنها لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ، ووصفت بما يوصفون به .
قال عيسى بن عمر : وخاضعين وخاضعة سواء واختاره المبرد ، والمعنى أنها إذا ذلت رقابهم ذلوا ، فالإخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها ، ويسوغ في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويخبر عن الثاني .
وقال أبو عبيد والكسائي : إنّ المعنى خاضعيها هم وضعفه النحاس . وقال مجاهد : أعناقهم كبراؤهم . قال النحاس : وهذا معروف في اللغة ، يقال جاءني عنق من الناس ، أي : رؤساء منهم وقال أبو زيد ، والأخفش : أعناقهم جماعاتهم ، يقال :
جاءني عنق منهم أي : جماعة ، وقال ابن عباس : خاضعين ذليلين .
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ
مزيدة لتأكيد المعنى
ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ
لابتداء الغاية
مُحْدَثٍ
إنزاله ، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول .
إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
أي إنه لا يجدد لهم موعظة وتذكيرا إلا جددوا ما هو نقيض المقصود ، وهو الإعراض والتكذيب والاستهزاء والجملة حالية ، والاستثناء مفرغ من أعم العام . وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة الأنبياء .
فَقَدْ كَذَّبُوا
بالذكر الذي يأتيهم تكذيبا صريحا ، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض .