ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ
أي أيّ شيء لكم لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا ، وتأخير هذا السؤال إلى ذلك الوقت لأنه وقت تنجيز العذاب وشدة الحاجة إلى النصرة ، وحالة انقطاع الرجاء عنها بالكلية ، فالتوبيخ حينئذ أشد وقعا وتأثيرا وأصل تناصرون تتناصرون فطرحت إحدى التاءين تخفيفا ، وقيل : الإشارة بقوله :
ما لَكُمْ
إلى قول أبي جهل يوم بدر نحن جميع منتصر ،
ثم أضرب سبحانه عما تقدم إلى بيان الحالة التي هم عليها هنالك فقال :
بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
أي منقادون لعجزهم عن الحيلة ، قال قتادة :
مستسلمون خاضعون في عذاب اللّه ، وقال الأخفش : ملقون بأيديهم ، يقال استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
أي بعض الكفار
عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
أي يتلاومون ويتخاصمون ، قيل : هم الأتباع والرؤساء يسأل بعضهم بعضا سؤال توبيخ وتقريع ومخاصمة ، قال ابن عباس : ذلك إذا بعثوا في النفخة الثانية وقال مجاهد : هو قول الكفار للشياطين ، وقال قتادة : هو قول الإنس للجن ، والأول أولى لقوله :
قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا
في الدنيا .
عَنِ الْيَمِينِ
أي من جهة الحق والدين والطاعة وتصدوننا عنها قال الزجاج :
كنتم تأتوننا من قبل الدين فتروننا أن الدين والحق ما تضلوننا به ، واليمين عبارة عن الحق ، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن إبليس :
ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ
[ الأعراف : 17 ] .
قال الواحدي : قال أهل المعاني : إن الرؤساء كانوا قد حلفوا لهؤلاء الاتباع أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بإيمانهم فمعنى تأتوننا عن اليمين أي من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها ، قال : والمفسرون على القول الأول . وقيل :
المعنى تأتوننا عن اليمين التي نحبها ونتفاءل بها لتغرونا بذلك عن جهة النصح ، والعرب تتفاءل بما جاء عن اليمين وتسميه السانح ، وقيل : اليمين بمعنى القوة أي تمنعوننا بقوة وغلبة وقهر ، كما في قوله :
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
[ الصافات :
93 ] أي بالقوة ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر وكذلك جملة :