أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ
مستأنفة مسوقة لبيان إقامة الحجة على من أنكر البعث وللتعجيب من جهله ، فإن مشاهدة خلقهم في أنفسهم على هذه الصفة من البداية إلى النهاية مستلزمة للاعتراف بقدرة القادر الحكيم ، على ما هو دون ذلك من بعث الأجسام وردها ، كما كانت ، والإنسان المذكور في الآية المراد به جنس الإنسان كما في قوله :
أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً
[ مريم : 67 ] .
ولا وجه لتخصيصه بإنسان معين ؛ كما قيل : إنه عبد اللّه بن أبيّ وإنه قيل له ذلك لما أنكر البعث . وقال الحسن : هو أمية بن خلف ، وقال سعيد بن جبير : هو العاص بن وائل السهمي ، وقال قتادة ومجاهد : هو أبيّ بن خلف الجمحي ، فإن أحد هؤلاء وإن كان سببا للنزول فمعنى الآية خطاب للإنسان من حيث هو ، لا إنسان معين ، ويدخل من كان سببا للنزول تحت جنس الإنسان دخولا أوليا .
أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ
قذرة خسيسة مدرة خارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة ، والنطفة هي اليسير من الماء ، وقد تقدم تحقيق معناها .
فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
هذه الجملة معطوفة على الجملة المنفية قبلها داخلة معها في حيز الإنكار ، المفهوم من الاستفهام ؛ وإذا هي الفجائية أي .
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ
من أضعف الأشياء وأخسها وأمهنها ففاجأ خصومتنا في أمر قد قامت فيه عليه حجج اللّه وبراهينه ؛ وشهدت بصحته وتحققه مبدأ فطرته شهادة بينة . والمعنى :
العجب من جهل هذا المخاصم - مع مهانة أصله ودناءة أوله - كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ؟ ويبرز لمجادلته في إنكار البعث ؟ ولا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة وهو غاية المكابرة ، والخصيم الشديد الخصومة الكثير الجدال ، ومعنى المبين :
المظهر لما يقوله الموضح له بقوة عارضته وطلاقة لسانه .
قال ابن عباس : « جاء العاص بن وائل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعظم حائل ففتّه بيده فقال : يا محمد أيحيي اللّه هذا بعد ما أرى ؟ قال : نعم يبعث اللّه هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم فنزلت الآيات من آخر يس :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ
الخ » أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في معجمه .
وعنه قال : جاء عبد اللّه بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وذكر مثل ما تقدم . قال ابن كثير : وهذا منكر لأن السورة مكية وابن أبيّ إنما كان بالمدينة ، وعنه