الأمر لما أن حق التخلية التقديم على التحلية كما في كلمة التوحيد وليتصف به قوله :
هذا
أي عبادة اللّه وتوحيده أو دين الإسلام
صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
بليغ في الاستقامة ولا صراط أقوم منه . ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم فقال :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 62 إلى 67 ]
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ( 66 )
وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ( 67 )
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
اللام هي الموطئة للقسم ، والجملة مستأنفة لتشديد التقريع وتأكيد التوبيخ ، أي واللّه لقد أضل ، قرىء : جبلا بكسر الجيم والباء وتشديد اللام ، وبضم الجيم وسكون الباء وبضمتين مع تخفيف اللام ، وبضمتين مع تشديد اللام ، وقرىء بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام .
قال النحاس : وأبينها القراءة الأولى ، والدليل على ذلك أنهم قد قرأوا جميعا :
وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
بكسر الجيم والباء وتشديد اللام فيكون جبلا جمع جبلة واشتقاق الكل من جبل اللّه الخلق أي خلقهم ومعنى الآية : أن الشيطان قد أغوى خلقا كثيرا ، كما قال مجاهد ، وقال قتادة جموعا كثيرة وقال الكلبي أمما كثيرة ، قال الثعلبي :
والقراءات كلها بمعنى الخلق ، وقرىء جيلا بالجيم والياء التحتية ، وقال الضحاك :
الجيل الواحد عشرة آلاف ، والكثير ما يحصيه إلا اللّه عز وجل .
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
الهمزة للتوبيخ والتقريع والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام كما تقدم في نظائره ، أي أتشاهدون آثار العقوبات ؟ فلم تكونوا تعقلون أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم ؟ أو أفلم تكونوا تعقلون شيئا أصلا ؟ قرىء الفعلان بالخطاب وبالغيبة .
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
بها في الدنيا على ألسنة الرسل ، والقائل لهم الملائكة ، وهو استئناف خوطبوا به بعد تمام التوبيخ عند إشرافهم على شفير جهنم ،
ثم يقولون لهم :
اصْلَوْهَا
أمر تبكيت وإهانة كقوله :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
[ الدخان :
49 ] أي قاسوا حرها وادخلوها
الْيَوْمَ
وذوقوا أنواع العذاب فيها
بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
أي بسبب كفركم باللّه في الدنيا وطاعتكم للشيطان وعبادتكم للأوثان .
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ
قال المفسرون إنهم ينكرون الشرك وتكذيب الرسل كما في قولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] فيختم اللّه على أفواههم