خلقه ، ونجعله على عكس ما كان عليه أولا من القوة والطراوة قال الزجاج المعنى من أطلنا عمره نكسنا خلقه فصار بدل القوة الضعف ، وبدل الشباب الهرم ، ومثل هذه الآية قوله سبحانه :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
[ النحل : 70 ] . وقوله :
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
[ التين : 5 ] .
أَ فَلا يَعْقِلُونَ
؟ قرأ الجمهور بالتحتية وقرىء بالفوقية على الخطاب أي أفلا يعلمون بعقولهم أن من قدر على ذلك قدر على البعث والنشور ؟
ولما قال كفار مكة إن القرآن شعر ، وإن محمدا شاعر ، رد اللّه عليهم بقوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
والمعنى نفي كون القرآن شعرا ، لأن الشعر كلام متكلف موضوع ، ومقال مزخرف مصنوع ، منسوخ على منوال الوزن والقافية ، مبني على خيالات وأوهام واهية ، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزه عن مماثلة كلام البشر ؟
المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة . الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ثم نفى أن يكون النبي شاعرا فقال :
وَما يَنْبَغِي لَهُ
أي لا يصح له الشعر ولا يتأتى منه ، ولا يتسهل عليه لو طلبه ، وأراد أن يقوله بالطبع والسجية ، كما جعلناه أميا لا يهتدي إلى الخط لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض ، بل كان صلى صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن ينشد بيتا قد قاله شاعر متمثلا به كسر وزنه ، فإنه لما أنشد بيت طرفة بن العبد المشهور وهو قوله :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود « 1 »
قال ويأتيك من لم تزود بالأخبار ، وأنشده مرة أخرى قول العباس بن مرداس السلمي :
أتجعل نهبي ونهب العبي * د بين عيينة والأقرع « 2 »
فقال : بين الأقرع وعيينة ، وأنشد أيضا :
كفى بالإسلام والشيب ناهيا
فقال أبو بكر : يا رسول اللّه إنما قال الشاعر :
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا « 3 »
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان طرفة بن العبد ص 41 ، ولسان العرب ( تبت ) ، ( ريث ) وتاج العروس ( رجز ) ، والبيت بلا نسبة في قطر الندى ص 108 ، ولسان العرب ( ضمن ) .
( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان العباس بن مرداس ص 84 ، ولسان العرب ( نهب ) ، ( عبد ) ، وتاج العروس ( نهب ) ، ( عبد ) .
( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لسحيم عبد بني الحسحاس في الإنصاف 1 / 168 ، وخزانة الأدب 1 / 267 ، 2 / 102 ، 103 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 141 ، وشرح التصريح 2 / 88 ، وشرح شواهد -