قال القرطبي : سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هي مناط الدين أحدها : علم الأصول وإليه الإشارة بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إلى
الرَّحِيمِ
ومعرفة النبوات وهي قوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
ومعرفة المعاد هي قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .
وثانيها : علم الفروع وأعظمه العبادات وهي
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
والعبادة مالية وبدنية . وثالثها : علم الأخلاق وهو قوله
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
إلى
الْمُسْتَقِيمَ .
ورابعها :
علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء منهم والأشقياء وهو المراد بقوله :
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
إلى آخر السورة انتهى ملخصا .
وللإمامين الغزالي والرازي في تقرير اشتمالها على علوم القرآن بسط كثير حتى استخرج الرازي منها عشرة آلاف مسألة ، وأول السورة مشتمل على الحمدلة وآخرها على الذم للمعرضين عن الإيمان ، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على اللّه ، ورأس الآفات وأس المخالفات هو الإعراض عنه والبعد عن طاعته ، وعاقبة ذلك الغضب والضلال .
واعلم أن السنة الصحيحة الصريحة الثابتة تواترا قد دلت على مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة ، فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
فقال آمين مد بها صوته « 1 » .
ولأبي داود رفع بها صوته ، وقد حسنه الترمذي ، وأخرجه أيضا النسائي وابن أبي شيبة وابن ماجة والحاكم وصححه ، وفي لفظ من حديثه أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « رب اغفر لي آمين » أخرجه الطبراني .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا قرأ يعني الإمام
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
فقولوا آمين يحبكم اللّه » « 2 » وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أمّن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » « 3 » زاد الجرجاني في أماليه « وما تأخر » قيل هم الحفظة ، وقيل غيرهم من الملائكة ، ويعني الذنوب الصغائر دون الكبائر .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في التطوع باب 26 ، والترمذي في المواقيت باب 70 ، وأحمد في المسند 3 / 30 ، 5 / 51 .
( 2 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 62 ، 87 ، وأبو داود في الصلاة باب 178 ، والنسائي في الإمامة باب 38 ، وابن ماجة في الإقامة باب 13 ، 14 .
( 3 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 111 ، 113 ، والدعوات باب 4 ، ومسلم في الصلاة حديث 72 ، وأبو داود في الصلاة باب 168 ، والترمذي في الصلاة باب 70 ، 71 ، والنسائي في