ثمّ لمّا كان بعض المشركين يقولون : إنّما علّم محمدا ما ينطق وما يقول من العلوم بعض أهل الكتاب في أسفاره إلى الشام ، ردّهم اللّه سبحانه بقوله :
عَلَّمَهُ
جبرئيل الذي هو
شَدِيدُ الْقُوى
في العلوم والأعمال ، لا البشر الذي هو ضعيف القوة وقليل العلم ، وذلك الملك
ذُو مِرَّةٍ
وكمال في الجسم والعقل والدين وحسن الأخلاق واستحكام الأركان
فَاسْتَوى
ذلك الملك واستقام متوجّها إلى تعليم محمد صلّى اللّه عليه وآله ، واستقر على صورته الأصلية التي خلق عليها ، أو استقرّ محمد صلّى اللّه عليه وآله على التعلّم منه ، كما عن القمي « 1 » .
وقيل : إنّ فاعل ( علّمه ) اللّه ، والمعنى علّمه اللّه الذي هو شديد القوى في العلوم ، وما بعده أوصاف الرسول صلّى اللّه عليه وآله والمعنى : أنّ الرسول ذو مرّة ، فاستوى : واستقام للتعلّم من اللّه « 2 » .
عن الرضا عليه السّلام : « ما بعث اللّه نبيا إلّا صاحب مرّة سوداء صافية » « 3 » .
وَهُوَ
متمكّن
بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
أو المقام الأرفع من الكمالات الانسانية ، والمرتبة الأسنى من الفضائل الجسمانية والروحانية بحيث لا يدانيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل
ثُمَّ دَنا
رسول اللّه وقرب من اللّه بالعلم والكمال الصفاتي
فَتَدَلَّى
اللّه وقرب منه .
عن الكاظم عليه السّلام ، قال : « هذه لغة قريش ، إذا أراد الرجل أن يقول : سمعت ، يقول : تدلّيت ، وإنّما التدلّي : الفهم » « 4 » .
أقول : وعليه يكون المعنى : ثمّ دنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فسمع وفهم من اللّه .
فَكانَ
مقدار المسافة بين اللّه وبين رسوله
قابَ قَوْسَيْنِ
وقدر ما بين سية « 5 » القوس إلى رأسها ، كما عن الصادق عليه السّلام « 6 » . وقيل : مقدار ما بين الوتر والقوس « 7 » . وهو حدّ الفصل في مجالسة الأحبّاء المتأدّبين « 8 » .
قيل : مثل لغاية القرب ، وأصله أنّ الحليفين كانا إذا أراد عقد الصفاء أخرجا قوسيهما ، فألصقا بينهما ، وهو إشارة إلى كونهما متظاهرين يحامي كلّ منهما عن صاحبه « 9 » .
وقيل : إن الكبيرين من العرب إذا اصطلحا وتعاهدا ، أخرجا قوسيهما ، ووتر كلّ واحد منهما طرف
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 334 ، تفسير الصافي 5 : 85 .
( 2 ) . تفسير القمي 2 : 234 .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 334 ، تفسير الصافي 5 : 85 .
( 4 ) . الاحتجاج : 387 ، تفسير الصافي 5 : 87 .
( 5 ) . سية القوس : ما عطف من طرفيها .
( 6 ) . الكافي 1 : 368 / 13 ، تفسير الصافي 5 : 87 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 217 .
( 8 ) . تفسير روح البيان 9 : 218 .
( 9 ) . تفسير روح البيان 9 : 217 .