ثمّ ذكر سبحانه المقسم عليه بقوله :
إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ
ونازل لا محالة ، وفي لفظ ( ربّك ) تأمين للرسول منه .
قيل : إنّ الحلف بالطّور والبيت المعمور الذي هو ملاذ الملائكة ، وبالسماء والبحر ، مع أن وجود كلّ منها وبقائه بقدرة اللّه ، مشعر بأن لا مهرب من ذلك العذاب « 1 » ، كما صرح به سبحانه بقوله :
ما لَهُ مِنْ دافِعٍ
حيث إنّ التحصّن منه إما بالذّهاب إلى شاهق الجبل ، أو بالتحصين في البيت ، أو بالصعود إلى السماء ، أو بالغوص في البحر ، ومن المعلوم أنّ كلّها تحت قدرة اللّه وإحاطته ، حيث وصف زمان وقوع ذلك العذاب بقوله :
يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ
وتضطرب ، وتجيء وتذهب
مَوْراً
واضطرابا شديدا عجيبا . قيل : تدور السماء كما تدور الرّحى ، وتتكفّأ بأهلها تكفّؤ السفينة « 2 »
وَتَسِيرُ الْجِبالُ
كالريح كما عن القمي « 3 » ، أو كالسّحاب كما عن بعض العامة « 4 »
سَيْراً
سريعا ، ثمّ تصير كالعهن ، وذلك لانقضاء الدنيا ، وعدم انتفاع بني آدم بها ، وعدم عودهم إليها ، فإذا كان الأمر كذلك
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
بتوحيد اللّه ورسله .
ثمّ ذمّهم سبحانه بقوله :
الَّذِينَ هُمْ
مستقرّون
فِي خَوْضٍ
واندفاع عجيب عظيم ، وانغماس في الأباطيل والأكاذيب ، كما يغاص في الماء و
يَلْعَبُونَ
ويلهون بالدنيا ويتشاغلون بما يصرفهم عمّا فيه خيرهم وسعادتهم الأبدية ، ثمّ وصف سبحانه ذلك اليوم الذي فيه الويل للمكذبين بقوله :
يَوْمَ
كأنّه قال ذلك اليوم يكون يوم
يُدَعُّونَ
ويدفع المكذّبون بالعنف والشّدّة
إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
ودفعا شديدا حتى يصلون فيها على وجوههم وأقفيتهم . وقيل : إنّ اليوم بدل عن قوله :
يَوْمَ تَمُورُ
أو ظرف للقول المقدّر فيما بعد « 5 » .
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 14 إلى 18 ]
هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 18 )
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 9 : 248 .
( 2 ) . تفسير أبي السعود 8 : 147 ، تفسير روح البيان 9 : 189 .
( 3 ) . تفسير القمي 2 : 332 ، تفسير الصافي 5 : 78 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 189 .
( 5 ) . تفسير أبي السعود 8 : 147 ، تفسير روح البيان 9 : 189 .