في تفسير سورة الشرح
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[ سورة الشرح ( 94 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 )
ثمّ لمّا ختمت سورة
وَالضُّحى
المتضمّنة لبيان منّته تعالى على الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، نظمت سورة الانشراح المتضمّنة أيضا لبيان بعض منّته الأخرى ، فافتتحها بذكر الأسماء الحسنى بقوله :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ .
ثمّ شرع سبحانه في تعديد بعض نعمه على رسوله صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
أَ لَمْ نَشْرَحْ
ولم نوسّع
لَكَ
يا محمد
صَدْرَكَ
ولم نفسح قلبك للعلم والحكمة وتلقّي الوحي ؟ بلى وسّعناه بحيث صار خزانة علمي ، ومحيطا بعوالم الملك والملكوت ، ومطّلعا على أسرار السماوات والأرض .
روي أن جبرئيل أتاه وشقّ صدره ، وأخرج قلبه وغسله وأنقاه ، ثمّ ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره « 1 » .
أقول : لعلّ غسل قلبه وإنقاءه كناية عن تقويته لتحمّل ما فوق طاقة البشر من العلوم والأسرار والمعارف ، وتطهيره عن الميل إلى غير اللّه ، والتوجه إلى الراحة واللذائذ الدنيوية وقبول الأهواء الرائعة النفسانية . وقد أشار سبحانه إلى مرتبة منه بقوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
« 2 » .
وقد سبق في تفسير الآية وأنّه عن النبي صلّى اللّه عليه وآله ، أنّه قيل له : أينشرح الصدر ؟ قال : « نعم » قالوا : يا رسول اللّه ، وهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال : « نعم ، التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله » « 3 » .
أقول : فمن كان قلبه متوجّها إلى اللّه معرضا عن غيره لعلمه بحقارة الممكنات وعظمة خالقها ، صار منزّها عن كلّ دنس مطهّرا عن كلّ رجس ، منوّرا بأنوار المعارف ، ومملوءا بالعلم والحكمة .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 32 : 2 .
( 2 ) . الأنعام : 6 / 125 .
( 3 ) . تفسير الرازي 32 : 3 .