ثمّ أكدّ سبحانه عدم فائدة الأصنام ، وهدّدهم على عبادتها بقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
وحقيقته وكنهه
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الغالب القادر على الانتقام من أعدائه
الْحَكِيمُ
في فعاله من عقوبتهم وإمهالهم .
ثمّ لمّا كان المشركون يعترضون على القرآن باشتماله على المثل بالعنكبوت والذّباب ، ردّهم اللّه بقوله :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها
تنبيها
لِلنَّاسِ
وتوضيحا لهم المطالب العالية وتقريبا لما بعد عن أفهامهم ، وما يفهم حسن تلك الأمثال وفائدتها
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
والمدركون لحسن الأشياء والمتدبّرون فيها .
ثمّ استدلّ سبحانه على توحيده بقوله :
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وأبدعهما ملتبّسا
بِالْحَقِّ
والغرض الصحيح والحكمة البالغة ، لا عبثا ، ولا لعبا ، فانّهما مع اشتمالهما على المنافع الدنيوية المربوطة بمعاش الخلق ، شواهد دالة على وحدانيته ، وكمال قدرته ، وحكمته ، وسائر صفاته ، كما قال سبحانه :
إِنَّ فِي ذلِكَ
الخلق العظيم المعجب
لَآيَةً
عظيمة ، ودلالة واضحة على شؤونه الجليلة ، وإنّما هي نافعة
لِلْمُؤْمِنِينَ
لأنّهم المتدبّرون فيها ، المدركون لدلالتها ، الناظرون بنور اللّه في عجائبها ووجوه حكمها .
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 45 ]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 )
ثمّ إنّه تعالى بعد إثبات توحيده للمؤمنين ، أمرهم بأهم الأعمال وأنفعها ، بأمر نبيّه المعظّم بها ، إظهارا لعظم شأنها بقوله :
اتْلُ
يا محمد
ما أُوحِيَ
وانزل
إِلَيْكَ
بتوسّط جبرئيل
مِنَ الْكِتابِ
السماويّ والقرآن العظيم ، وأقرأه لنفسك متحفّظا لنظمه ، ومتدبّرا في معانيه وحقائقه ودقائقه ورقائقه وجهات إعجازه ، ليزيدك نورا على نور ، وعلى الناس لتهديهم به إلى الحقّ وصراط مستقيم ، وتحملهم على العمل بما فيه من الأحكام والآداب ومحاسن الاخلاق .
روي أنّ عمر اتي بسارق فأمر بقطع يده ، فقال : لم تقطع يدي ؟ قال : بما أمر اللّه في كتابه . فقال : أتل عليّ . فقال :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 1 » فقال السارق : واللّه ما سمعتها ، ولو سمعتها ما سرقت « 2 » .
هامش
( 1 ) . المائدة : 5 / 38 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 473 .