تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
سَقَيْتَ لَنا
فأجاب موسى الدعوة شوقا إلى زيارة شعيب ، وطلبا لخدمته ، لا طمعا في طعامه وأجره ، فقام وانطلقا وهي أمامه ، فالزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته ، أو كشفت عن ساقيها ، فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فتأخرّت وكانت تقول : عن يمينك ، أو عن شمالك ، أو عن قدّامك . القمي : فقام موسى معها ، ومشت أمامه ، فصفقتها الرياح ، فبان عجزها ، فقال لها موسى تأخّري ودلّيني على الطريق بحصاة تلقيها أمامي اتّبعها ، فأنا من قوم لا ننظر في أدبار النساء ، الخبر « 1 » . فمشيا حتى اتيا دار شعيب ، فبادرت المرأة إلى أبيها فأخبرته ، فأذن له في الدخول ، وشعيب يومئذ شيخ كبير ، وقد كفّ بصره
فَلَمَّا جاءَهُ
موسى سلّم عليه فردّ عليه السّلام وعانقه . ثم أجلسه بين يديه ، وقدّم إليه الطعام فامتنع منه ، وقال : أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيته ، وإنّا أهل بيت لا نبيع ديننا بدنيانا . فقال شعيب لا واللّه يا شاب ، ولكن هذه عادتنا مع كلّ من ينزل بنا ، فأكل منه
وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ
وأخبره بما جرى عليه من ولادته إلى فراره من فرعون وقومه ومجيئه إلى مدين
قالَ
له شعيب :
لا تَخَفْ
هنا من فرعون وقومه ، فانّك
نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فانّه لا سلطان لهم بأرضنا ، ولسنا في مملكة فرعون .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ( 26 ) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) فبينما كانا يتكلّمان ويتوانسان وكانت بنتا شعيب حاضرتين إذ
قالَتْ إِحْداهُما
وهي الكبرى التي جاءت في طلب موسى :
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ
لرعي أغنامك والقيام بأمورها ، فانّ للرجل قوة على العمل والأمانة في العرض والمال
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
رقبتهم وأفضلهم الأجير
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ .
روي أنّ شعيبا قال لها : ما أعلمك بقوته وأمانته ؟ فذكرت له ما شاهدت منه من إقلال الحجر عن رأس البئر ، ونزح « 2 » الدلو الكبير ، وأنّه خفّض رأسه عند الدعوة ولم ينظر إليها تورّعا حتى بلغت رسالتها ، وأنّه أمرها بالمشي خلفه « 3 » . والقمي - في حديث - : « فقال لها شعيب : أمّا قوّته فقد عرفتها بأنّه يسقي الدلو وحده ، فبما عرفت
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 138 ، تفسير الصافي 4 : 86 . ( 2 ) . في تفسير أبي السعود وتفسير روح البيان : نزع . ( 3 ) . تفسير البيضاوي 2 : 191 ، تفسير أبي السعود 7 : 10 ، تفسير روح البيان 6 : 397 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 19 | الشيخ محمد النهاوندي