تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
الْغَيْبَ
وما لا يدركه الحواسّ
إِلَّا اللَّهُ
قيل : إنّ الاستثناء منقطع ، والمعنى لكنّه تعالى يعلمه « 1 » . عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه أخبر يوما ببعض الأمور التي لم تأت بعد ، فقيل له : أعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ؟ فضحك وقال : « ليس هو بعلم غيب ، إنّما هو تعلّم من ذي علم ، وإنّما علم الغيب علم الساعة وما عدّده اللّه سبحانه بقوله
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
الآية ، فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر وأنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون للنار خطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه إلّا اللّه ، وما سوى ذلك فعلم علّمه اللّه نبيه فعلّمنيه ، ودعا لي أن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي » « 2 » . وأمّا غيره من الانس والجنّ لا يعلمون
وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
من القبور ، وأيّ وقت ينشرون للحساب ، فانّه من علم الغيب الذي اختصّ بذاته تعالى
بَلِ ادَّارَكَ
وتكامل واستحكم
عِلْمُهُمْ
بتكامل أسبابه من الدلائل والحجج
فِي
شأن
الْآخِرَةِ
وتمكّنوا من معرفتها ، ومع ذلك لمّا لم يتفكّروا فيها جهلوا بوقوعها . وقيل : يعني انتهى علمهم وانتفى إدراكهم بلحوقها فجهلوا بها « 3 » . وعن ابن عباس : أن وصفهم باستحكام العلم بالآخرة على سبيل التهكّم والاستهزاء « 4 » .
بَلِ
المشركون
هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
ثمّ أضرب سبحانه عن كونهم شاكّين إلى بيان كونهم في أقطع حال من الشكّ بقوله :
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
وفاقدو البصيرة بحيث لا يكادون يدركون دلائلها .

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 67 إلى 70 ]

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ ( 67 ) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 69 ) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 70 ) ثمّ حكى سبحانه مقالتهم في المعاد الدالة على عميهم منه بقوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
من مشركي مكّة :
أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَ
كان
آباؤُنا
أيضا ترابا
أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ
من القبور أحياء ؟ ! وإنّما كرّروا الاستفهام الانكاري مبالغة في الإنكار .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 6 : 364 . ( 2 ) . نهج البلاغة : 186 الخطبة 128 ، تفسير الصافي 4 : 72 ، وفي النسخة وتفسير الصافي : وتضم عليه جوارحي . ( 3 ) . تفسير روح البيان 6 : 365 . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 212 ، وتفسير البيضاوي 2 : 181 ، ولم ينسب إلى ابن عباس .