ثمّ أجاب عليه السّلام عن منّته عليه بالتربية بقوله :
وَتِلْكَ
التربية
نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ
ولكن كانت لأجل
أَنْ عَبَّدْتَ
واستعبدت
بَنِي إِسْرائِيلَ
واستخدمتهم وذبحت أبناءهم ولذا ألقتني أمّي في اليمّ ، ولولا هذا الظلم منك عليهم ما احتجت إلى تربيتك .
وقيل : يعني إنما أنفقت عليّ من أموال قومي الذين استعبدتهم وأخذت أموالهم ، فلا منّه لك عليّ ، أو أنّك وإن ربّيتني إلّا أنك ظلمت قومي ، أو أنّ الذي ربّاني كان من الذين عبدتهم ، وهو أمّي وسائر قومي ، وإنّما الذي كان منك إنّك لم تقتلني « 1 » .
وعلى أيّ تقدير : لما أجاب عن طعنه فيه ومنّته عليه ، أخذ فرعون في الاعتراض على ما ادّعاه من رسالة ربّ العالمين و
قالَ فِرْعَوْنُ
تجاهلا في معرفته [ و ] حفظا لملكه ورياسته : يا موسى
وَما
حقيقة مرسلك الذي تقول إنّه
رَبُّ الْعالَمِينَ
وما كنه ذاته ؟ فإنّ رسوله لا بدّ من معرفته بالذات ، ولمّا لم يكن معرفة ذاته البسيطة من جميع الأجزاء العقلية والخارجية ممكنا ، أجابه موسى ببيان صفاته وآثاره
و
قالَ :
هو
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
من الموجودات وخالقها ومدبّرها ، فاعرفوه بهذه الصفة
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
بأنّ هذه الموجودات الممكنة لا بدّ أن يكون وجودها مستندا إلى واجب الوجود بالذات ، وأقنعوا بهذا الجواب الذي هو أحسن الأجوبة عن سؤالكم .
وقيل : يعني إنّ كنتم موقنين بالأشياء محقّقين لها بالنظر الصحيح المؤدي إلى الإيقان ، علمتم بأنّ العالم عبارة عمّا ذكرت وربّه خالقه ومدبّره « 2 » .
ولمّا لم يفهم فرعون جواب موسى عليه السّلام ومطابقته لسؤاله تعجّب منه و
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ
وفي مجلسه من الأشراف
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
إلى هذا الجواب فإنّي أسأله عن حقيقة مرسله وجنسه ، وهو يجيب بأفعاله وآثاره ، وهذا عجيب من عقل هذا الرجل .
ثمّ لما كان مجال دعوى ، قدّم السماوات والأرض وعدم احتياجهما إلى الموجد والمؤثر ، عدل موسى عليه السّلام عن الجواب الأول و
قالَ رَبُّكُمْ
وخالقكم ومن المعلوم ان الشخص لا يكون خالق
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 24 : 126 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 6 : 269 .