تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
ثمّ لمّا وصف ذاته المقدّسة بالوصفين المقتضيين لإرسال الرّسل وإمهال مكذّبيهم والانتقام منهم بعد حين ، شرع في بيان قصصهم ، ولمّا كان قصّة بعث موسى وامّته أعجب بدأ بذكرها بقوله :
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى
في جانب الطّور الأيمن من الشجرة
أَنِ ائْتِ
يا موسى
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
على ربّهم وعلى أنفسهم بالكفر والطغيان ، وعلى بني إسرائيل باستعبادهم وذبح أولادهم ، أعني بالقوم
قَوْمَ فِرْعَوْنَ
لدعوتهم إلى توحيدي وطاعتي ، وإنذارهم من عذابي على الكفر والعصيان . ثم اظهر سبحانه التعجّب من جرأتهم عليه بقوله :
أَ لا يَتَّقُونَ
اللّه ولا يخافونه ، أو لا يحترزون عن عذابه بالايمان والطاعة . ثمّ كأنّه قيل : ماذا قال موسى ؟ فأجاب سبحانه بقوله :
قالَ
موسى متضرّعا إلى اللّه
رَبِّ
العالمين
إِنِّي أَخافُ
من
أَنْ
ينكروا نبوتي و
يُكَذِّبُونِ
في دعوى رسالتي
وَيَضِيقُ
لذلك
صَدْرِي
وقلبي ، فينقبض منه روحي
وَلا يَنْطَلِقُ
لذلك
لِسانِي
ويزيد فيه الحبسة « 1 » ، ويعسر عليّ الدعوة والمحاجّة
فَأَرْسِلْ
جبرئيل بالوحي
إِلى
أخي
هارُونَ
الذي هو أفصح لسانا منّي ، ليكون معينا لي في تبليغ رسالتك ، وهداية خلقك ، وإلّا لاختلّت مصلحة بعثي إليهم
وَ
مع ذلك
لَهُمْ
بزعمهم
عَلَيَّ
وفي عهدتي
ذَنْبٌ
عظيم ، وهو قتل القبطي دفعا عن السّبطي
فَأَخافُ
أن آتيهم وحدي من
أَنْ يَقْتُلُونِ
قصاصا قبل ادّعاء الرسالة كما ينبغي ، وأما هارون فلا ذنب لهم عليه ، ففائدة بعثي إليهم معه أتمّ وأكمل ، فردعه اللّه أولا عن احتمال قتله قبل إكمال التبليغ بقوله
قالَ كَلَّا
لا يقدرون على قتلك بالقصاص وغيره ، ثمّ أجاب مسألته في إرسال هارون معه بقوله ،
فَاذْهَبا
أنت وهارون إلى فرعون وقومه برسالتي مستدلّين على صدقكما في دعوتكما
بِآياتِنا
التسع
إِنَّا مَعَكُمْ
بالعون والنصرة ، ومع عدوّكما بالقهر والشّوكة ، ولمقالكما ومقال عدوكما
مُسْتَمِعُونَ
ولما يجري بينكما وبينه من الكلام سامعون
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا
لفرعون وقومه :
إِنَّا
معا
رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
إليك ، وإنّما أفرد الرسول للإشعار باستقلاله في الرسالة
هامش
( 1 ) . الحبسة : ثقل في اللسان يمنع من الإبانة .