ثمّ وبّخهم سبحانه على عدم الإيمان بالقرآن بقوله :
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا
هذا
الْقَوْلَ
والكلام النّازل من اللّه ، ولم يتفكّروا في وجوه إعجازه ، وبداعة أسلوبه ، ولطافة معانيه
أَمْ جاءَهُمْ
قيل : إنّ المعنى بل أجاءهم « 1 »
ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ
من الكتب السّماويّة حتى يستبعدوا إتيانه من السّماء وينكروه ، مع أنّ إنزال الكتب وإرسال الرّسل سنّة قديمة من اللّه تعالى بحيث لا يمكن إنكارها ؟
فليس لإنكارهم كون القرآن كسائر الكتب نازلا من اللّه وجه .
ثمّ أنكر عليهم عدم إيمانهم بالرّسول بقوله :
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
بالصّدق والأمانة وحسن الأخلاق وكمال العلم مع اميّته وغيرها من كمالات الأنبياء
فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
ولنبوّته جاحدون
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
واختلال عقل ، ولذا لا يعتنى بقوله ؟ ليس الأمر كما يقولون
بَلْ
هو أعقل النّاس و
جاءَهُمْ بِالْحَقِّ
والدّين الثّابت الّذي لا ينبغي الانحراف عنه
وَ
لكنّ
أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
لمخالفته أهواءهم الزائغة وشهواتهم الباطلة ، فلذا تمسّكوا بالتّقليد ، وزاغوا عن نهج الحقّ والدّين القويم ، وأمّا الأقلّون منهم فإنّهم أعرضوا عن الحقّ لاستنكافهم من توبيخ قومهم ، أو لعدم تفكّرهم فيه ، أو لقصور العقل ، لا للكراهة له .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 71 إلى 74 ]
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 )
ثمّ لمّا كان هوى المشركين في كون الشّرك ودينهم الباطل حقّا ، ردّهم اللّه بقوله :
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ
والدّين
أَهْواءَهُمْ
ومشتهيات أنفسهم ، ونزل القرآن موافقا لميل قلوبهم في الشّرك وتعدّد الآلهة
لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ
من الملائكة والثّقلين ، لما سبق في سورة الأنبياء من دليل التّمانع ، أو المراد لو اتّبع أحكام الإسلام أهواءهم مع تخالفها ، لوقع التّناقض فيها ، ولاختلّ نظام العالم .
عن القمّي : الحقّ : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام . . . وفساد السماء : إذا لم تمطر ، وفساد الأرض
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 6 : 143 ، تفسير روح البيان 6 : 94 .