تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
خوف شكّ ، ولكنّهم خافوا أن يكونوا مقصّرين في محبّتنا وطاعتنا » « 1 » .
أُولئِكَ
المتّصفون بتلك الصفات الحميدة هم الذين بأعمالهم الصالحة
يُسارِعُونَ
إلى نيل المثوبات في الدّنيا ويتقلّبون
فِي الْخَيْراتِ
والمنافع الكثيرة في الدّارين كما قال تعالى :
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ
« 2 »
وَهُمْ لَها سابِقُونَ
حيث عجّلت لهم في الدّنيا ، ونالوها قبل الآخرة ، فأثبت اللّه للمؤمنين ما نفاه عن الكفّار . وفي إسناد المسارعة إليهم إشعار بغاية استحقاقهم ، فكأنّ اللّه قرّب إليهم الخيرات حتى يسارعوا إليها ويخيّروها . وقيل : إنّ المراد من الخيرات الطاعات المؤدّية إلى الثواب ، والمعنى يجتهدون في الطّاعات بأشدّ الشّوق والرّغبة ، وهم لأجلها سابقون النّاس خوفا من أن يدركهم الموت ويبتلوا بحسرة الفوت « 3 » . عن الباقر عليه السّلام : « هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، لم يسبقه أحد » « 4 » . أقول : يعني هو عليه السّلام أظهر مصاديقه .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 62 ]

وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 62 ) ثمّ رغّب سبحانه المؤمنين المهتمّين بالطّاعة فيها ، ببيان منّته عليهم بتسهيل تكاليفه ووعدهم بالثّواب بقوله :
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً
من النّفوس تكليفا
إِلَّا
ما كان
وُسْعَها
ودون طاقتها بحيث لا تكون في امتثاله مشقّة عليها
وَلَدَيْنا كِتابٌ
مكتوب فيه أعمال النّاس أو طاعات المسارعين والسّابقين
يَنْطِقُ
ويبيّن الأعمال للنّاظرين فيه كالنّطق بها حال كونه ملتبسا
بِالْحَقِّ
والصّدق ومطابقة الواقع كمّا وكيفا
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
بتنقيص الثّواب وازدياد العقاب . عن السجّاد عليه السّلام أنّه كان إذا دخل شهر رمضان يكتب على غلمانه ذنوبهم حتى إذا كان آخر ليلة منه دعاهم ، ثمّ أظهر لهم الكتاب وقال : « يا فلان فعلت كذا وكذا ولم اؤدّبك » فيقرّون أجمع ، فيقوم وسطهم ويقول : « ارفعوا أصواتكم وقولوا : يا عليّ بن الحسين ، ربّك قد أحصى عليك ما عملت كما أحصيت علينا ، ولديه كتاب ينطق بالحقّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، فاذكر ذلّ مقامك بين يدي ربّك الذي لا يظلم مثقال ذرّة وكفى باللّه شهيدا ، فاعف واصفح يعف عنك المليك لقوله تعالى :
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
« 5 » » ويبكي وينوح « 6 » .
هامش
( 1 ) . الكافي 2 : 330 / 15 ، تفسير الصافي 3 : 402 . ( 2 ) . آل عمران : 3 / 148 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 6 : 140 . ( 4 ) . تفسير القمي 2 : 92 ، تفسير الصافي 3 : 403 . ( 5 ) . النور : 24 / 22 . ( 6 ) . مناقب ابن شهرآشوب 4 : 158 ، تفسير الصافي 3 : 403 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 385 | الشيخ محمد النهاوندي