تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ
وقاتل من يقاتله وجازي الظّالم عليه بمثل ظلمه ولم يزد
ثُمَّ بُغِيَ
وظلم
عَلَيْهِ
بأن اضطرّ إلى الهجرة باللّه
لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
ويعينه على من « 1 » بغى عليه البتّة
إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
للمنتصر . قيل : نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحّرم ، فقال بعضهم لبعض : إنّ أصحاب محمّد يكرهون القتال في الشّهر الحرام ، فاحملوا عليهم . فناشدهم المسلمون أن يكفّوا عن قتالهم فأبوا وقاتلوهم ، فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم ، فنصروا عليهم ، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشّهر الحرام ما وقع ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وعفا عنهم وغفر لهم « 2 » . وعن القمّي : هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لمّا أخرجته قريش من مكّة ، وهرب منهم إلى الغار ، وطلبوه ليقتلوه ، فعاقبهم اللّه يوم بدر . وقتل عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم . فلمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله طلب بدمائهم ، فقتل الحسين عليه السّلام وآل محمّد صلّى اللّه عليه وآله بغيا وعدوانا ، وهو قول يزيد لعنه اللّه حين تمثّل بهذا الشعر : ليت أشياخي ببدر شهدوا . . . إلى آخره . فقال اللّه تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ
يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله
بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ
يعني حين أرادوا أن يقتلوه
ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
يعني بالقائم من ولده « 3 » . قيل : إنّ توصيف ذاته المقدّسة بالعفوّ والغفور مع أنّه لا ذنب للمعاقب ؛ لأنّ العفو عن الباغي في غاية الحسن ، فنزّل سبحانه تركه منزلة الإساءة ، فنبّه على عفوه عنها ، أو للتّنبيه على أنّ الإتّصاف بصفات اللّه غاية آمال المؤمنين ، ومن صفاته تعالى أنّه عفوّ غفور ، فيحسن منهم العفو والغفران .
ذلِكَ
النصر
بِأَنَّ اللَّهَ
قادر على كلّ شيء ، بدليل أنّه تعالى
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
ويغلب أحدهما على الآخر بالزّيادة والنّقص ، فكيف بتغليب المؤمنين على المشركين
وَ
بسبب
أَنَّ اللَّهَ
مع كمال قدرته
سَمِيعٌ
لمقالات الظّالمين والمظلومين
بَصِيرٌ
بأعمالهم ، فيجازيهم على حسب أعمالهم واستحقاقهم
ذلِكَ
المذكور من القدرة الكاملة والعلم الشّامل
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
الثابت والواجب الوجود الّذي لا زوال له ولا نقص ولا عجز ولا جهل ، وأنّه متفرّد بالالوهيّة واستحقاق العبادة
وَأَنَّ ما يَدْعُونَ
ويعبدون
مِنْ دُونِهِ
من الكواكب والأصنام
هُوَ الْباطِلُ
والفاني العاطل ،
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ
الفائق بقدرته الغالب على
هامش
( 1 ) . في النسخة : ما . ( 2 ) . تفسير الرازي 23 : 59 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 86 ، تفسير الصافي 3 : 388 .