تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
والعقول . ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر لطفه بنبيّه صلّى اللّه عليه وآله ذكر ألطافه بموسى بن عمران الذي هو دونه في القرب منه ، تقوية لقلبه الشريف ، وتحريضا له على تحمّل أعباء الرسالة ، وتقريرا لأمر التوحيد بقوله :
وَهَلْ أَتاكَ
وبلغك
حَدِيثُ مُوسى
عن ابن عباس : أليس قد أتاك خبره ؟ « 1 » وفي هذا الاستفهام المبالغة في إعجاب قصّته
إِذْ رَأى ناراً
روي أنّ موسى عليه السّلام تزوّج صفوراء بنت شعيب ، ثمّ أستأذن منه في الخروج من مدين لزيارة امّه وأخيه هارون في مصر ، فخرج بأهله ، وأخذ على غير طريق خوفا من ملوك الشام ، فلمّا أتى وادي طوى ، وهو بالجانب الغربي من الطّور ، ولد له ولد في ليلة مظلمة ذات برد وشتاء وثلج ، وكانت ليلة الجمعة ، فقدح زنده ، فلم تخرج منه نار « 2 » . وقيل : كان موسى عليه السّلام غيورا يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار ، لئلّا يروا امرأته ، فلذا أخطأ الرّفقة والطّريق ، فبينما هو في ذلك ، إذ رأى نارا من بعيد على يسار الطريق من جانب الطّور ، فظنّ أنّها من نيران الرّعاة « 3 »
فَقالَ لِأَهْلِهِ
وصحبه من امرأته وولده وخدمه :
امْكُثُوا
وتوقّفوا في مكانكم ، ولا تتّبعوني
إِنِّي آنَسْتُ
وشاهدت من البعيد
ناراً
فأذهب إليها
لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ
وشعلة أو جذوة
أَوْ أَجِدُ
بالسّؤال من القاعدين والمشرفين
عَلَى النَّارِ
عن الطريق
هُدىً
ورشادا إليه ، أو ما اهتدي به من دليل وعلامة
فَلَمَّا
فارق أهله ، وأسرع إلى النار و
أَتاها
وانتهى سيره إليها . عن ابن عبّاس : رأى شجرة خضراء ، أحاطت بها من أسفلها وأعلاها نار بيضاء تتّقد كأضوء ما يكون ، ولم ير هناك أحدا ، فوقف متعجّبا من شدّة ضوء تلك النار ، وشدّة خضرة تلك الشجرة ، فلا النّار تغيّر خضرتها ، ولا كثرة ماء الشجرة تغيّر ضوء النار ، فسمع تسبيح الملائكة ، ورأى نورا عظيما تكلّ الأبصار عنه ، فوضع يديه على عينيه ، وخاف وبهت ، فألقيت عليه السكينة والطّمأنينة « 4 » ، فعند ذلك
نُودِيَ
وقيل :
يا مُوسى
لا تخف ولا تحزن وليطمئنّ قلبك
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
اللّطيف بك . وعن وهب : ظنّ موسى عليه السّلام أنّها نار أوقدت ، فأخذ من دقائق الحطب ليقتبس من لهبها ، فمالت إليه كأنّها تريده ، فتأخّر عنها وهابها ، ثمّ لم تزل تطمعه ويطمع فيها ، ثم لم يكن أسرع من خمودها كأنّها لم تكن ، ثمّ رمى موسى عليه السّلام بنظره إلى فرعها ، فإذا خضرتها ساطعة في السّماء ، وإذا نور بين السماء والأرض له شعاع تكلّ عنه الأبصار ، فلمّا رأى موسى عليه السّلام ذلك وضع يده على عينيه ، فنودي :
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 22 : 14 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 369 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 5 : 369 .