تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وعن ( المجمع ) عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال لجبرئيل : « ما منعك أن تزورنا ؟ » فنزلت « 1 » . وقيل : يجوز كون الآية من كلام أهل الجنّة بعضهم مع بعض ، والمعنى :
وَما نَتَنَزَّلُ
الجنّة
إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا
أي في الجنّة مستقبلا
وَما خَلْفَنا
ممّا كان في الدنيا
وَما بَيْنَ ذلِكَ
[ أي ما بين ] الوقتين ،
وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
لشيء ممّا خلق فيترك إعادته ؛ لأنّه عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرّة « 2 » . وقيل : إنّ قوله :
ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا
ابتداء كلام منه تعالى في مخاطبة الرسول تقريرا لكلام أهل الجنّة ، ويتّصل به قوله :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 3 » والحقّ أنّ الكلّ كلام الملك ، وكأنّه قال : وما كان ربّك يا محمّد نسيّا لك ، وجائزا عليه الغفلة والسهو ، حتى يضرّك إبطاؤنا بالنزول عليك ، وإنّما لا يجوز عليه النسيان لأنّه
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
وخالقهما ومدبّرهما ، ولو كان نسيّا لاختلّ نظام العالم وتدبيره لأمور الموجودات ، فإذا كان ربّك كذلك
فَاعْبُدْهُ
واجتهد في طاعته
وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
واحبس نفسك على مشاقّها ، ولا تحزن بإبطاء الوحي ونزولنا عليك ، وباستهزاء الكفرة وشماتة الأعداء بك ، فإنّه تعالى يراقبك ويراعيك ويلطف بك في جميع الأحوال والعوالم
هَلْ تَعْلَمُ
أحدا يكون ربّا للموجودات ورحمانا في الدنيا والآخرة حتى يكون
لَهُ
تعالى
سَمِيًّا
ومشاركا في الأسماء والصفات . عن ابن عبّاس : لا يسمّى بالرحمن غيره « 4 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « تأويله هل تعلم أحدا اسمه اللّه غير اللّه » « 5 » . قيل : إنّ المشركين كانوا يطلقون اسم الإله على الصنم والوثن ، ولا يطلقون اسم اللّه على غيره تعالى « 6 » .

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 66 إلى 67 ]

وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) ثمّ لمّا ذكر اللّه كمال قدرته وحكمته وتدبيره في الموجودات ، وأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بعبادته ، ولا فائدة في العبادة إذا لم يعتقد العابد بالحشر والحساب ، مع كونهما من لوازم حكمته بحكم العقل ، وبّخ المشركين المنكرين للحشر المستبعدين له بقوله :
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ
الذي ينكر الحشر والمعاد استبعادا له وتعجّبا من مدّعيه :
أَ إِذا ما مِتُّ
وأدخلت في القبر وصرت ترابا ورفاتا
لَسَوْفَ
هامش
( 1 ) . مجمع البيان 6 : 805 ، تفسير الصافي 3 : 288 . ( 2 و 3 ) . تفسير الرازي 21 : 239 . ( 4 ) . تفسير الرازي 21 : 240 . ( 5 ) . التوحيد : 288 / 5 ، تفسير الصافي 3 : 288 . ( 6 ) . تفسير البيضاوي 2 : 36 .