وارثه مالكا لما تركه .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 64 إلى 65 ]
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 )
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان المطالب العالية والأخبار الغيبيّة ، بيّن أنّ جميعها كلامه المنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتوسط الملائكة بحكاية اعتذار الملك من تأخير نزوله على نبيه صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
وَما نَتَنَزَّلُ
عليك يا محمّد
إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
وإذنه .
قيل : إنّ المعنى قال اللّه لجبرئيل : قل لمحمّد ما نتنزّل وقتا من الأوقات إلّا بأمر اللّه على ما تقتضيه حكمته « 1 » ، وليس لنا استقلال في أمر من الأمور ، لأنّنا تحت قدرته وسلطانه حيث إنّ
لَهُ
تعالى
ما بَيْنَ أَيْدِينا
وكلّ شيء يكون قدّامنا
وَما خَلْفَنا
ووراءنا
وَما بَيْنَ ذلِكَ
المذكور من الجهتين ، فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومن مكان إلى مكان إلّا بإذنه وإرادته .
وقيل : إنّ المراد من
ما بَيْنَ أَيْدِينا
ما قبل وجودهم ، ومن
ما خَلْفَنا
ما بعد فنائهم « 2 » ،
وَ
من
ما بَيْنَ ذلِكَ
زمان وجودهم وبقائهم .
وقيل : إنّ المعنى ما مضى من أعمارنا وما بقي منها وما نحن فيه « 3 » .
وقيل : يعني له تعالى الأرض التي بين أيدينا ، والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض « 4 » .
وعلى أي تقدير المقصود أنّ اللّه محيط بنا وبكلّ شيء بحيث لا تخفى عليه خافية
وَما كانَ رَبُّكَ
حين عدم إذنه لنا بالنّزول إليك
نَسِيًّا
وتاركا لك ، أو غافلا عنك .
قيل : إنّه أبطأ جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فقال صلّى اللّه عليه وآله له : ما حبسك يا جبرئيل ؟ فنزلت « 5 » .
وقيل : إنّه أبطأ عليه لتركه الاستثناء في الوعد بجواب اليهود عن المسائل الثلاث التي مرّ ذكرها في سورة الكهف « 6 » ، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « أبطأت عليّ حتى ساء ظنّي ، واشتقت إليك » فقال جبرئيل : إنّي كنت أشوق ، ولكنّي عبد مأمور ، إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست « 7 » . فأنزل اللّه هذه ، فعلى هذا يكون ذلك من وجوه النّظم .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 5 : 273 ، تفسير روح البيان 5 : 347 .
( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 21 : 239 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 5 : 346 .
( 6 ) . في تفسير الآية ( 9 ) من سورة الكهف .
( 7 ) . تفسير الرازي 21 : 238 ، تفسير روح البيان 5 : 347 .