عاقرا ، لا يكون إلّا بقدرته القاهرة وإلغاء الأسباب الظاهرة .
وقيل : إنّ المقصود من السؤال عن وجود الغلام منهما أنّه يكون بردّهما إلى الشّباب ؟ أو مع إبقائهما على حال الهرم ؟ « 1 »
قالَ
سبحانه بالإلهام ، أو بتوسّط الملك :
كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ
لا خلف فيه ولا غلط . قيل : إنّ المعنى : الأمر كذلك ، تصديقا له . ثمّ ابتدء بقوله :
قالَ رَبُّكَ
« 2 »
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
وسهل . وقيل : ذلك إشارة إلى مبهم يفسّره بقوله :
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
« 3 » .
قيل : إنّ معنى قوله :
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
هو أنّك تعطيني الغلام على حالنا من الشيخوخة ؟
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ
يعني نعم يهب لك الغلام ، وأنتما على تلك الحالة « 4 » .
ثمّ استدلّ على قدرته بقوله :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
مذكورا ، فمن كان قادرا على خلقك من العدم قادر على خلق الولد من الشيخ والشيخة بطريق أولى .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 )
ثمّ لمّا لم يبيّن سبحانه وقت الولادة ، سأل اللّه آية تدلّ على وقتها بقوله :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
ودلالة تدلّ على تحقّق الولد لأتلقّى نعمتك بالشّكر بدو حدوثها
قالَ
اللّه تعالى :
آيَتُكَ
ودليلك على ذلك
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
بكلام دنيوي ، ولا تقدر على التنطّق بغير ذكر اللّه
ثَلاثَ لَيالٍ
بأيامها مع كونك
سَوِيًّا
وسالما من الأمراض والآفات الموجبة لاعتقال اللّسان .
قيل : إنّه رجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها ، فانعقدت النّطفة في رحمها ، ثمّ اشتغل بالعبادة والصلاة في محرابه المختصّ به ، فلمّا أصبح امتنع عليه التكلّم مع الناس « 5 »
فَخَرَجَ
في صبيحة ليلة ، حملت فيها امرأته
عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ
والمصلّى .
قيل : إنّ القوم كانوا من وراء المحراب ينتظرون أن يفتح لهم الباب فيدخلوا ويصلّوا ، إذ خرج زكريا عليهم متغيّر اللّون صامتا فأنكروه وقالوا : مالك يا زكريا « 6 »
فَأَوْحى
وأشار
إِلَيْهِمْ
بيده أو بغيرها
أَنْ سَبِّحُوا
للّه وصلّوا
بُكْرَةً
وبين الطّلوعين
وَعَشِيًّا
وبين الزوال والمغرب ، على ما قيل « 7 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 21 : 188 ، تفسير روح البيان 5 : 317 .
( 2 ) . تفسير الرازي 21 : 188 .
( 3 ) . تفسير الرازي 21 : 188 .
( 4 ) . تفسير الرازي 21 : 189 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 5 : 318 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 5 : 258 ، تفسير روح البيان 5 : 318 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 5 : 318 .