ثمّ لمّا بيّن سبحانه حصر محرّماته في شرع الاسلام في الأشياء الأربعة ، نهى المشركين عن بدعتهم وتحريم ما أحلّه اللّه عليهم بهوى أنفسهم بقوله :
وَلا تَقُولُوا
أيّها المشركون
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
من الأنعام المحلّلة عند اللّه بالحلّ تارة وبالحرمة أخرى بهوى أنفسكم ، بلا إسناد إلى الوحي من اللّه
الْكَذِبَ
على اللّه ، وذلك الكذب هو قولكم :
هذا
الحيوان الذي زهق روحه بغير التذكية ، أو هذا الخنزير ، أو هذا الدم المشوي
حَلالٌ
لنا من قبل اللّه وفي حكمه
وَهذا
الحيوان الحامي أو البحيرة أو السائبة
حَرامٌ
علينا ، وهذا الذي في بطون الأنعام حرام على أزواجنا ، فانّ جميع ذلك مجرّد الوصف والقول بالأنواه بلا حجة ودليل من اللّه .
وقيل : إنّ المعنى : لا يقولوا لأجل وصف ألسنتكم الكذب : هذا حلال وهذا حرام « 1 » . وقيل : جملة
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
من أفصح الكلام وأبلغه « 2 » . وقيل : إنّ
الْكَذِبَ
هو المقول « 3 » .
ثمّ بيّن سبحانه ذلك الكذب بقوله :
هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ
ثمّ لمّا لم يصرّح سبحانه يكون كذبهم على اللّه صرّح به بقوله :
لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
ولام ( لتفتروا ) لام العاقبة ، وقيل : إنّ هذه الجملة بدل من قوله :
لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ
لأنّ وصفهم الكذب هو عين الافتراء على اللّه « 4 » .
ثمّ هدّد سبحانه المفترين عليه بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ
ولا ينجون من العذاب ، أو لا يفوزون بخير ومطلوب ، ثمّ لمّا كان مجال توهّم أنّ لهم الفوز بنعم الدنيا ، دفعه اللّه سبحانه بقوله :
مَتاعٌ قَلِيلٌ
تلك النّعم ، ومنفعة سريعة الزوال ، بحيث لا يصحّ أن يقال لوجدانها فوز وفلاح ، ولذا لا يعتني بها عاقل .
عن ابن عباس : بل متاع كلّ الدنيا [ متاع ] قليل « 5 » . ثمّ يردّون بالموت والخروج من الدنيا إلى نار جهنم
وَلَهُمْ
فيها
عَذابٌ أَلِيمٌ
لا يقادر قدره .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 118 ]
وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 118 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 132 ، تفسير أبي السعود 5 : 147 ، تفسير روح البيان 5 : 92 .
( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 132 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 5 : 92 ، جوامع الجامع : 250 .
( 4 ) . تفسير الرازي 20 : 132 .
( 5 ) . تفسير الرازي 20 : 132 .