ثمّ بالغ سبحانه في ردّهم بقوله :
قُلْ
لهم يا محمّد : ليس القرآن ممّا تقوّلته ، بل
نَزَّلَهُ
تدريجا جبرئيل الذي لقبه
رُوحُ الْقُدُسِ
وأمين الوحي
مِنْ
قبل
رَبِّكَ
مقرونا
بِالْحَقِّ
ودلائل الصدق من إعجاز البيان واشتماله على العلوم الوفيرة والأخبار الغيبية ، أو متلبّسا بالحكمة البالغة
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا
على الايمان بأنّه كلام اللّه المنزل على رسوله ، فانّهم إذا سمعوا الناسخ وتفكّروا فيما فيه من المصالح والحكم ، رسخت عقائدهم وطمأنّت قلوبهم
وَ
ليكون
هُدىً
ورشادا إلى كلّ حقّ وخير
وَبُشْرى
بالثواب
لِلْمُسْلِمِينَ
المنقادين لأحكامه .
ثمّ حكى اللّه تعالى طعنهم الآخر في القرآن بقوله :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
أنّ محمّدا كاذب في دعوى نزول القرآن من اللّه ، بل
إِنَّما يُعَلِّمُهُ
القصص والتواريخ التي فيه
بَشَرٌ
قيل : أريد به سلمان الفارسي « 1 » . وقيل : عبد لبني عامر بن لؤي « 2 » ، وكان يقرأ الكتب « 3 » وقيل : عدّاس غلام عتبة بن ربيعة « 4 » . وقيل : عبد لبني الحضرمي [ صاحب ] كتب واسمه جبر ، وكانت قريش تقول : إنّ عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة ، وخديجة تعلّم محمّدا « 5 » . وقيل : كان بمكّة نصراني أعجمي اللسان اسمه بلعام . وكنيته أبو ميسرة ، وكان يتكلّم بالرّومية « 6 » .
ثمّ ردّهم اللّه تعالى بقوله :
لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ
وينسبون القرآن
إِلَيْهِ
أو يميلون قولهم عن الاستقامة بادّعاء أنّ القرآن بتعليمه
أَعْجَمِيٌّ
غير فصيح وغير مبين ، أو غير عارف بلغة العرب
وَهذا
القرآن
لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
بالغ في الفصاحة إلى حدّ الإعجاز ، ثمّ أتبع ردّهم بتهديدهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
ودلائل توحيده وكمال صفاته ، ورسالة رسوله ومعجزاته التي منها فصاحة القرآن وعلومه المنطوية فيه ، مع عدم اطّلاع الذي حسبوه معلّما له على أقل قليل منها
لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ
إلى الحقّ وطريق الجنّة ، بل يسوقهم إلى النار
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 105 إلى 106 ]
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 117 ، تفسير البيضاوي 1 : 557 ، تفسير أبي السعود 5 : 141 .
( 2 ) . زاد في تفسير الرازي : يقال له : يعيش .
( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 20 : 117 .
( 5 و 6 ) . تفسير الرازي 20 : 117 .