تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
قام سيّد الخزرج سعد بن عبادة فقال : انظر في أمرك وامض ، فو اللّه لو سرت إلى عدن أبين « 1 » ما تخلّف عنك رجل من الأنصار . ثمّ قال المقداد بن عمرو : يا رسول اللّه ، امض لما أمرك اللّه فإنّا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 2 » ولكن نقول : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون ما دامت عين منّا تطرف . فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثمّ قال : « أشيروا عليّ أيّها النّاس » وهو يريد الأنصار ، أيّ بيّنوا لي ما في ضميركم في نصرتي ومعاونتي ؛ وذلك لأنّ الأنصار عاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ليلة العقبة أن ينصروه ما دام في المدينة ، وإذا خرج منها لا يكون عليهم معاونته ونصرته ، فأراد صلّى اللّه عليه وآله أن يعاهدهم على النّصرة في هذه المعركة . فقام سعد بن معاذ فقال : كأنّك تريدنا يا رسول اللّه ، قال : « أجل » ، قال : قد آمنّا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السّمع والطّاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أردت ، فو الّذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك ، ما تخلّف منا رجل ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا ، إنّا لصبّر عند الحرب ، صدّق عند اللّقاء ، ولعلّ اللّه يريك منّا ما تقرّبه عينك ، فسر بنا على بركه اللّه . ففرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ونشطه قول سعد ثمّ قال : « سيروا على بركة اللّه وأبشروا ، فإنّ اللّه وعدني إحدى الطّائفتين ، واللّه لكأنّي انظر إلى مصارع القوم » « 3 » .

بيان قصة بدر الكبرى

عن القمّي رحمه اللّه : أنّ عير قريش خرجت إلى الشّام فيها خزائنهم ، فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أصحابه بالخروج ليأخذوها ، فأخبرهم أنّ اللّه تعالى قد وعده إحدى الطّائفتين ؛ إما العير أو قريش إن ظفر بهم ، فخرج في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فلمّا قارب بدرا ، كان أبو سفيان ( لعنه اللّه ) في العير ، فلمّا بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد خرج يتعرّض العير خاف خوفا شديدا ، ومضى إلى الشّام ، فلمّا وافى البهرة « 4 » اكترى ضمضم بن عمرو الخزاعي بعشرة دنانير ، وأعطاه قلوصا « 5 » ، وقال له : امض إلى قريش : وأخبرهم أنّ محمدا والصّباة « 6 » من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم ، فأدركوا العير . وأوصاه أن يخرم « 7 » ناقته ويقطع اذنها حتّى يسيل الدّم ويشقّ ثوبه من قبل ودبر ، فإذا دخل مكّة ولّى وجهه إلى ذنب البعير وصاح بأعلى صوته : يا آل غالب يا آل غالب ،
هامش
( 1 ) . عدن أبين : مدينة على ساحل بحر العرب . ( 2 ) . المائدة : 5 / 24 . ( 3 ) . تفسير روح البيان 3 : 315 . ( 4 ) . بهرة : موضع بنواحي المدينة ، وفي النسخة : النقرة . ( 5 ) . القلوص : الشابة من النوق . ( 6 ) . الصّباة : جمع صابئ ، وهو الخارج من دين إلى آخر ، وكانت قريش تسمي أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله الصّباة لأنهم خرجوا من دين قريش إلى الإسلام . ( 7 ) . أي يشقّ ما بين منخريها .