تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
والتخوّف معرضا للفرار ، عبّر عن إصابتهم بالعذاب بالأخذ ، وفي غيرهما بالاتيان . ثمّ أشار سبحانه إلى علّة إمهالهم وتأخير عذابهم بقوله :
فَإِنَّ رَبَّكُمْ
أيّها المشركون واللّه
لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
لا يعاجل بالعقوبة ، ويمهلكم مع كمال الاستحقاق لها .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 48 ]

أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 ) ثمّ لمّا هدّد سبحانه المشركين بأنواع العذاب ، وكان الخوف متوقّفا على العلم بكمال القدرة ، بيّن سعة قدرته ، ويحتمل أن يكون وجه النظم أنّه تعالى بعد تهديد المشركين بيّن كمال قدرته ونهاية عظمته ومهابته ، ازديادا للرعب في القلوب بقوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
والتقدير على الأول : ألم يتبيّن لهم كمال قدرة اللّه ولم يروا ، وعلى الثاني : ألم يخافوا اللّه ، ولم ينظروا
إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
له ظلّ كيف
يَتَفَيَّؤُا
ويرجع
ظِلالُهُ
وفيؤه شيئا فشيئا
عَنِ الْيَمِينِ
إلى الشمائل
وَ
عن
الشَّمائِلِ
حال كونهم « 1 »
سُجَّداً
ومنقادين وخاضعين
لِلَّهِ
مقهورين لإرادته
وَهُمْ داخِرُونَ
وصاغرون ومذلّلون تحت مشيئته ، وإنّما أضاف سبحانه الظلال إلى ضمير المفرد مع أنّ المراد ذوي الظلّ وهي كثيرة اعتبارا بلفظ الشئ ، كما أنّ توصيف الظلال بالجمع وإرجاع ضمير الجمع إليه اعتبارا بمعنى الظلال ، وهو كثير . وقيل : إنّ المراد باليمين يمين الفلك ، وهو المشرق ، لكونه أقوى الجانبين « 2 » منه ؛ لأنّ منه تظهر الحركة القوية للفلك ، فإذا طلعت الشمس حدث لكلّ شيء قائم على وجه الأرض ظلّ في طرف المغرب ، وهو شمال الفلك ، فكأنّه رجع من اليمين إلى الشمال ، فكلّما ارتفعت الشمس ينقص ذلك الظلّ ويرجع شيئا فشيئا إلى أن تبلغ وسط الفلك ، فحينئذ ينعدم من الطرف ، ويحدث أو يرجع في طرف المشرق ، وهو معنى ( عن الشّمائل ) ثمّ يزداد شيئا فشيئا ، فالرجوع من طرف اليمين واحد ، وهو حدوث الظلّ في أوّل طلوع الشمس أو أوّل الزوال ، ومن طرف الشمال كثير باعتبار نقاط الأرض حين النقص ، ولذا أفرد لفظ اليمين وجمع الشمال ، ولعلّ إلى ما ذكرنا يرجع ما قيل من أنّ إفراد لفظ اليمين لأنّ نقطة مشرق الشمس واحدة ، وأمّا الشمائل فهي عبارة عن الانحرافات الواقعة في تلك الظلال بعد وقوعها على وجه الأرض ، وهي كثيرة « 3 » . وقيل : إنّ لكلّ شيء يمينا وشمالا ، وهما جانباه ، استعارة من يمين الانسان وشماله ، وذكر اليمين
هامش
( 1 ) . في النسخة : كونها . ( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 41 . ( 3 ) . تفسير الرازي 20 : 42 .