تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
مصعب « 1 » .
وَكَذلِكَ
التّمكين البديع والرّفعة التي حصلت ليوسف في قلب العزيز ، حتّى أمر امرأته بإكرام مثواه . أو التّمكين الذي حصل له في منزله
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ
وجعلنا له مقاما عاليا
فِي
أهل تلك
الْأَرْضِ
ووجاهة تامّة في أنظار سكنة تلك المملكة ، ومحبوبيّة كاملة في قلوبهم ، ليترتّب على تلك المكانة والوجاهة ما جرى بينه وبين امرأة العزيز
وَلِنُعَلِّمَهُ
ونلهمه مقدارا كافيا
مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
وتعبير الرّؤى والمنامات التي عمدتها رؤيا صاحبي السّجن ، ورؤيا الملك . وإنّما أراد إخوته إذلاله وإهلاكه ، وأراد اللّه إعزازه ورفعة محلّه
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
وقادر على إنفاذ إرادته ، لا دافع لقضائه ، ولا مانع عن إجراء حكمه - في أرضه وسمائه - قيل : إنّ ضمير
أَمْرِهِ
راجع إلى يوسف ، والمعنى : أنّه تعالى غالب على أمر يوسف « 2 » - وبيده انتظامه ، لا بسعيه وإرادته
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
أنّ زمام جميع الأمور بيد اللّه ، بل يزعمون أنّ لهم فيها دخلا ، ولتدبيرهم فيها تأثيرا ، أو المراد : أنّهم لا يعلمون لطائف صنع اللّه ، وخفايا فضله .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 22 إلى 24 ]

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) ثمّ أنّه تعالى بعد بيان صبر يوسف على البلايا والمحن ، ومكافاته بالنّعم الجسمانيّة الظّاهريّه ؛ من التّمكين في قلب العزيز ، وعلوّ منزلته عند أهل مصر ، ذكر مكافاته بالنّعم الرّوحانيّة الباطنيّة بقوله :
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وكملت قواه الجسمانيّة والرّوحانيّة
آتَيْناهُ
وأعطيناه
حُكْماً
ونبوّة ، أو حكمة عمليّة ، التي هي الاستيلاء على النّفس ، بحيث يسهل عليه منعها عن اتّباع الهوى ، وارتكاب الرّذائل
وَعِلْماً
كاملا بجميع ما يحتاج إليه النّاس من المعارف والأحكام ، جزاء على حسن صبره
وَكَذلِكَ
الجزاء البديع الجزيل
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
جميعا على أعمالهم الحسنة . قيل : إنّه عليه السّلام صار نبيّا وله ثلاث وثلاثون سنة « 3 » .
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 18 : 108 ، تفسير أبي السعود 4 : 262 ، تفسير روح البيان 4 : 230 . ( 2 ) . تفسير الرازي 18 : 110 . ( 3 ) . تفسير الرازي 18 : 110 .