تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
حتّى يقول أنس بن النضر : ما يحبسكم عن القتال ؟ فيقول : قد قتل محمّد صلّى اللّه عليه وآله « 1 » ، وإن كان بعد حصول الأمن ، ورجوع الفارّين من الزّحف إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وخيبة المشركين ، وتوبيخ النبيّ إيّاهم ، واعتذارهم بأنّه أتانا خبر سوء فرعبت قلوبنا « 2 » ، فهذا إيمان بعد الارتداد ، والظّاهر أنّه كان بعد رجوع أبي سفيان وحزبه إلى مكّة . ثمّ اعلم أنّ المهاجرين والأنصار الّذين كان إيمانهم في زمان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بهذه المثابة ، لا يبعد منهم الارتداد بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله للأحقاد الجاهليّة وطمع الرّئاسة . ثمّ أنّه قال الفخر الرازي : إنّ اللّه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنّه صلّى اللّه عليه وآله لا يقتل ، قال تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 3 » ، وقال :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
« 4 » ، وقال :
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
« 5 » .

في ذكر اعتذار بعض العامّة لتجويز عمر قتل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبيان فساده

ثمّ اعتذار أبو السّعود في تفسيره لتجويز عمر وجمع من المهاجرين والأنصار قتله صلّى اللّه عليه وآله ، وقال : تجويزهم لقتله ؛ مع قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
لما أنّ كلّ آية لا يسمعها كلّ أحد ، ولا كلّ من يسمعها يستحضرها في كلّ مقام ، لا سيّما في مثل ذلك المقام الهائل « 6 » . أقول : في إصلاح الاعتذارين فساد ما صدر من عمر ما لا يخفى ، أمّا الاعتذار بأنّ عمر لم يسمع الآيات ، فممّا لا يمكن قبوله - سيّما من المعتذر وأصحابه من أهل السّنّة - لاعتقادهم في عمر أنّه كان من بطانة الرسول صلّى اللّه عليه وآله ومع ذلك ، كيف يمكن القول بعدم اطّلاعه على هذه الآيات ، وعدم سماعه لها ، مضافا إلى أنّه لا يمكن أن يعتقد المؤمن برسالة محمّد صلّى اللّه عليه وآله قتله في أحد ، مع إخباره صلّى اللّه عليه وآله قبل خروجه إلى أحد برجوعه حيّا إلى المدينة ، حيث قال عند ذكره رؤياه : « ثمّ إنّي رأيت أنّي أدخلت يدي في درع حصينة ، أوّلتها أنّي أرجع إلى المدينة » « 7 » . وأمّا الاعتذار بعدم استحضار الآيات ، ونسيانها والغفلة عنها ، ففي غاية البعد ، مع كون تلاوة القرآن والتدبّر في آياته من أعظم عبادات المؤمنين ، وأهمّ مشاغلهم ، بحيث كان مدلول ظواهرها نصب أعينهم راسخا في قلوبهم .

في زلة عمر بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ورد الاعتذار له

ومن الغرائب : استشهاد أبي السّعود على غفلة الصّحابة عن تلك الآيات ، بغفلة عمر عن هذه الآية بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله « 8 » ، وتبعه صاحب تفسير ( روح البيان ) حيث قال :
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 103 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 104 . ( 3 ) . الزمر : 39 / 30 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 67 . ( 5 ) . تفسير الرازي 9 : 21 ، والآية من سورة الصف : 61 / 9 . ( 6 ) . تفسير أبي السعود 2 : 93 . ( 7 ) . تفسير أبي السعود 2 : 78 ، تفسير روح البيان 2 : 87 . ( 8 ) . تفسير أبي السعود 2 : 93 .