تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 639

مساهمون:

ص٦٣٩
روي [ أنّها ] لما تلقّفت حبالهم وعصيّهم وابتلعتها بأسرها ، أقبلت على الحاضرين فهربوا ، وازدحموا حتّى هلك منهم جمع كثير لا يعلم عددهم إلّا اللّه . ثمّ أخذها موسى وصارت عصا كما كانت ، وأعدم اللّه بقدرته القاهرة تلك الأجرام العظام ، وقيل : فرّقها أجزاء لطيفة ، فقالت السّحرة : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصيّنا « 1 » .
فَوَقَعَ
ما هو
الْحَقُّ
الثابت في الواقع ، وظهر صدق موسى عليه السّلام
وَبَطَلَ
وأضمحلّ
ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من السّحر ، وأمّا فرعون وملؤه
فَغُلِبُوا
في مجلسهم
هُنالِكَ
بحيث لم تكن غلبته أظهر من ذلك
وَانْقَلَبُوا
ورجعوا عن معارضته إلى محالّهم
صاغِرِينَ
بحيث لا صغار ولا ذلّ في حقّ مبطل مثل ذلك
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
وخرّوا على الأرض
ساجِدِينَ
بالشدّة كأنّه ألقاهم ملق ، إظهارا لبهور الحقّ وعدم تمالكهم من قبوله ، وإعلاما بكسر فرعون بإيمان الّذين أتى بهم لكسر موسى عليه السّلام ، وانقلاب الأمر عليه . استدلّ المتكلّمون بهذه الآية على غاية فضيلة العلم ؛ لأنّ السّحرة لعلمهم بحقيقة السّحر ومنتهاه علموا أنّ ما أتاه موسى عليه السّلام خارج عن السّحر ، وأنّه من المعجزات الإلهية لا من التمويهات البشرية ، ولذا
قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
ولو لم يكونوا كاملين في علم السّحر لم يمكنهم الاستدلال بتلك المعجزة لاحتمال كونها السّحر الكامل . ثمّ لمّا كان في كلامهم « ربّ العالمين » ، وكان فرعون مدّعيا للرّبوبيّة أوضحوه بقوله :
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
فإنّ فرعون وإنّ ربّى موسى في صغره فإنّه لم يربّ هارون . قيل : إنّهم لمّا قالوا :
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
قال فرعون : إياي عنوا ، فلمّا قالوا :
رَبِّ مُوسى
قال : إيّاي عنوا ، لأنّي ربّيت موسى ، فلمّا قالوا :
وَهارُونَ
زالت الشّبهة ، وعرف الكلّ أنّهم كفروا بفرعون « 2 » . وقيل : إنّما خصّوهما بالذّكر تفضيلا وتشريفا لهما « 3 » . عن ابن عبّاس : آمنت السّحرة واتّبع موسى عليه السّلام من بني إسرائيل ستمائة ألف « 4 » .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 123 ]

قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 213 . ( 2 ) . تفسير الرازي 14 : 206 . ( 3 ) . تفسير الرازي 14 : 207 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 3 : 214 .