تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
ثمّ أنّهم بعدما سمعوا تلك المواعظ البليغة والنّصائح الجليلة ، بالغوا في معارضتة وتكذيبه و
قالُوا
مجيبين عنه إنكارا عليه واستبعادا لقوله بالتّوحيد ، حبّا لما ألفوه ، وتمسّكا بتقليد الآباء :
أَ جِئْتَنا
يا هود من مكان اعتزالك ، أو من السّماء ؟ ، قالوه استهزاء له ، أو المراد : حضرت في مقابلنا ، أو في محافلنا وقلت ما قلت
لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ
ونخصّه بالخضوع والضّراعة
وَنَذَرَ
ونترك عبادة
ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
الأقدمون ، من الكواكب أو الأصنام ، ونعرض عن سيرتهم ، ونخرج عن ربقه تقليدهم ، لا يكون ذلك أبدا ، فإذا علمت أنّا نكون ثابتين على ما نحن عليه من الشّرك ، غير معتنين بما تدعونا إليه
فَأْتِنا بِما تَعِدُنا
وتهدّدنا به من العذاب الذي أمرتنا بالاتّقاء منه
إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
في دعوى رسالتك ووعيدك ، وكانوا مستهزئين به في سؤالهم نزول العذاب ، مظهرين عدم احتمالهم صدقه . فلمّا رآهم مصرّين على كفرهم ، مجدّين في تكذيبه ، يئس من إيمانهم و
قالَ
تأسّفا عليهم : يا قوم
قَدْ وَقَعَ
ووجب
عَلَيْكُمْ مِنْ
قبل
رَبِّكُمْ
مع سعة رحمته
رِجْسٌ
وعذاب ، أو الرّين في القلوب
وَغَضَبٌ
شديد لأجل كفركم وإصراركم عليه وعلى معارضة رسوله . ثمّ بالغ في توبيخهم على عبادة الجمادات وتسميتها آلهة ، ومجادلتهم في ذلك بقوله :
أَ تُجادِلُونَنِي
وتعارضونني
فِي
شأن
أَسْماءٍ
وألفاظ
سَمَّيْتُمُوها
ووضعتموها للجمادات
أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
من قبل أنفسكم وبمقتضى شهواتكم ، مع أنّه لا معنى لها في الحقيقة ولا مسمّيات ، لعدم إمكان تعقّل تحقّق الألوهيّة في الممكن ولو كان أعلى وأشرف بمراتب من الجمادات فضلا عنها ، مع أنّكم لم تكتفوا بالتّسميّة ، بل التّزمتم بعبادتها ، والحال أنّه
ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها
وبجوار عبادتها
مِنْ سُلْطانٍ
بيّن ، وحجّة واضحة ، وبرهان قاطع ، ومن الواضح أنّه لا ينبغي للعاقل أن يلتزم بدين ليس عليه بيّنة ساطعة وحجّة قاطعة ، فإن كنتم مصرّين على ما أنتم عليه من اللّجاج وعبادة الجماد ، ومستهزئين بما أدعوكم إليه من التّوحيد ، وسائلين منّي إنزال العذاب
فَانْتَظِرُوا
نزوله عليكم و
إِنِّي
أيضا
مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ
له حتّى ترون وأرى هلاككم واستئصالكم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 72 ]

فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ ( 72 )